فهرس الكتاب
كان أسود اللون كالزبيبة، وكان مولعًا بالنظافة التامة، وملازمة لبسة البياض، وكان كلما اشتد بياض حلته، يشتد سواد جلدته، وكان رقيق الحاشية، يسيل عرقه كثيرًا في الصيف. وكثيرًا ما يضع أصبعه على الواحنا التي نقرأ فيها الحساب في الصيف، فتسيل اللوحة بمسة من أصبعه. وكان يتعالى في كل أموره ويحب التفوق، فيكب على كتب الأدب، وقد كاد يحفظ ( العقد الفريد ) لابن عبد ربه لأنه كتابه الذي رأيناه إذ ذاك مكبًا عليه. وناهيك بما بين دفتي هذا الكتاب النادر، القليل النظير في كتب الأدب. وقد اعتنى بكل ألفاظه اللغوية اعتناء تامًا، بله كتب الأدب الأخرى، كنفح الطيب وأمثاله. وكان رحمه الله فكِها ملاطفًا. يداري الطلبة كثيرًا لأنه لاسوداده كثيرًا ما يتخذه سفاؤهم لقلة أدبهم محور فكاهاتهم وسخريتهم، مع أنه من أفذاذ الطلبة ومن اللطائف أن طلبة ( إلغ ) اجتمعوا عليه يوما فعصوه بلا سبب احتقارا لسواده ولما ذهب إلى الأستاذ التاجارمونتي وحكى له ما فعله به الطلبة لم يزد الأستاذ أن قال له. أضربك الطلبة يا أخي ؟ فحسن، فحسن، فكأن، الأستاذ ارتضى أيضًا بدوره ذلك الظلم الشنيع.
المستجير بعمرو عند كربته *** كالمستجير من الرمضاء بالنار 114/9
115/9 أم كان لذلك سبب ثابت عند الأستاذ، فرضي بتأديبه. وهذا الذي قاله الأستاذ صار مثلا عند الإلغيين. وقد كان من نجباء الطلبة ومن المحصلين بين طبقته، ونحن معه في ( تانكرت ) أعوام 1332 - 1336 هـ وكان مشاركًا في العربية نحوًا ولغة وتصريفًا وفقهًا وحديثًا. وأما الحساب والفرائض فقد تفوق فيهما تفوقا مسلما له، وكان يعتني باقتناء الكتب حتى تكونت له خزانة كبرى تذكر. وكل ذلك من آثار همته العليا، وقد كان من أكابر الآخذين عن سيدي الطاهر. ومن المولعين بالتشبه به. والاقتداء به. حتى في الطريقة الأحمدية ولمحبته له سمى ولده الطاهر.
ما بيني وبينه