فهرس الكتاب
مال، أو لفافة كتب، فكان ثاني أبي الوليد الباجي الذي حصل معارفه من (بغداد) بعد رحلته إليها من (الأندلس) بالمطالعة على مصابيح حراس الدروب، ثم لم يدر الدهر دورته، حتى كان إمام الأندلس وعالم المغرب، ومرجع بعض دول الطوائف الأندلسية إذ ذاك، فكذلك مولاي عبد الرحمن صنوه هذا، فإنه حصل على غراره تحصيلا فائقا، ثم لم يمض إلا حقب، فإذا به أعلى كعبا، وأجلى فهما، وأرفع منار، وأسطع شهرة من الذين كانوا يأوون في المدارس التي تجمعهم معه، إلى فرش وثيرة، ووسائد منضودة وأوان مصقولة، وكتب موفورة، فظهر أن العلم ينال بالدءوب والإكباب، لا بجر ذيول الثياب، وإن المجد يحصله الطالب بقريحة وقادة، ولسان سئول، ومداومة الدراسة على الأكابر، ومناغاة ما بين الدفاتر، لا بأعطاف ملفقة، ولا بعمائم مصفقة، ولا بالبزة المرموقة، ولا بالتعالي بالالتحاق بالمدارس على السوقة.
أصبح المولى عبد الرحمن عند عارفيه علما كبيرا مرفرفا من أعلام الأدب الكبرى، فأينما سار فالأدب مرافقه، يسوق راحلته ويقودها. اجتمع معه في أي مكان، تر بحره مزبدا، فيتموج إليك بالأدبيات الشعرية، وغرر الحكم، إلا إذا كنت ممن يرغب في فن آخر من العلوم، فإنه سرعان ما يقلب الصفحة، فيدهشك منه أنه مجاريك في أي فن كنت أنت من متقنيه، كن نحويا أو لغويا، أو مؤرخا أو فقيها، أو فرضيا أو حيسوبيا، أو أي فرد كنت من الأفراد النجباء، في أي علم من العلوم التي تجول في هذه البيئة السوسية إذ ذاك، فإنك تجد فيه طلبتك، وتحمد معه جلستك، وتنفع به غلتك.
وأما إذا كنت ممن يخوض في التفسير والحديث، خصوصا ما يتعلق بالسيرة النبوية، فإنك تقع منه على كنز قلما تجده إلا في أفراد قليلين من لداته (1) وممن هم أكبر منه ومن لداته، علمه معه أينما كان فصدره قمطره، كما أن نعله دائما هي راحلته، وهكذا كان يحضر معه علمه في كل مكان:
(1) اللدات جمع لدة بكسر ففتح: وهو القرن والترب في السن.