فهرس الكتاب
لسيدي الحاج محمد يد في المعارف لا بأس بها، وقد كان درس على الشيخ الإلغي، حين كان مشارطا في مدرسة (فوكرض) قليلا سنة 1296هـ. ولا أعرف له الآن أستاذا آخر، إلا أنه أخذ، أيضا، قليلا عن الأستاذ سيدي محمد بن إبراهيم الأفراني، وباعه على كل حال في المعارف غير طويل، وقد أمضى شبيبته في العزلة والعبادة، تشوفا منه إلى مقامات الصوفية، ثم التحق بالشيخ سيدي سعيد بن همو المعدري، فانخرط في أصحابه، وكان من المتجردين عنده في أخريات أيامه، وكان أول ما اتصل به صغيرا، وسمعت ممن أدرك ذلك العهد أنه كان ربما أعيا في السياحة، فيعجز عن المشي، فيقول الشيخ سعيد للفقير مبارك أوباكا التيزنيتي: احمله على منكبك، فيحمله. وكان مبارك ذا منة غربية، وأحسبه يولد نحو1278هـ، لأنه حفظ القرآن قبل 1294هـ، وربما كان بين الفقراء ذا ميزة، لما عليه من نور العلم، ولما يكتنفه من التصوف الذي ارتضع أخلافه، وحين انشق فقراء سيدي سعيد على أنفسهم؛ فريق مع سيدي الحاج الحسن التاموديزتي، وفريق مع الشيخ الإلغي، كان سيدي الحاج محمد ممن انضوى إلى الشيخ الإلغي ككثيرين أمثاله، فكان الشيخ يثبت قدمه، ويشجعه إلى الظهور في باب الدعوة إلى الله، كما كان، أيضا، على ذلك لمولاي أحمد الوادنوني، ثم لم يزل في تلك السنوات يتردد إلى الزاوية (الإلغية) كما كان يصاحب الشيخ الإلغي في سياحاته الأولى، فكان كلما أراد الشيخ أن يسيح يرسل إليه، وكان يركب على أتان له دائما، وذلك قبل 1310هـ. وكان هينا لينا، ذا سمت حسن، ملازما لأخلاق الصوفية المتشددين، متزمتا ملحا على نفسه في العبادة، وقد كان له أتباع اتخذوه شيخا، غير أن هالته لم تتسع كثيرا، وكان يأمر أصحابه أن يشتغلوا بأنفسهم، وأن لا يأبه كل واحد منهم بغير خويصة نفسه، كما يأمرهم أن يبتعدوا عن الطلبة الذين لا يسلمون أحوال الفقراء، وكان، مع ذلك، ممن حسن فيه القائد المدني الأخصاصي ابن قريته ظنه، حين ظهر هذا أخيرا،