فهرس الكتاب
حكى لي من لا أتهمه أن الشيخ زار مرة مشهد الشيخ سيدي عبد الرحمن من مقبرة تزنيت مع أصحابه، ثم تخلف عنهم، قال الحاكي: فوقفت إزاء باب الضريح فإذا بي أسمع نشيج بكاء الشيخ، فتحينته حتى خرج بعد حين، فسلمت عليه ثانياـ وكان ممن لا يستحيي كثيرا من الشيخـ قال: فسألته عن سبب بكائه الكثير, فقال: هجم علي أن رأيت تزنيت هذه مفعوعمة بالنصارى يقبلون ويدبرون كما شاءوا فامتعضت لهذا الهوان، فلم أملك نفسي حتى كان ما كان, ثم تنهد تنهدا طويلا، فقال:"واأسفاه على هذه الأمة التي استولى عليها ما استولى، حتى لا مطمع فيها لطامع متى جد الجد، وحان الجهاد"فقلت له:"إن الله سيدفع بكم عنها"فقال: أجل بصرك، وأمعن بعقلك فهل تحس من يشعر بواجبه في هذا الوقت؟ قال: ثم والى الشيخ تنهدات وآهات ثم قطع كلامه وكان لسان حاله ينشد:
إن دام هذا ولم تحدث له غير *** لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
قال قائل يوما للشيخ: لماذا لا تقوم فتقود أنت بنفسك الناس إلى الجهاد فإننا لا نرى إلا أن الناس كلهم يتبعونك؟ فقال له: إن تصدر أمثالي في ذلك إنما يجر إلى ميادين أخرى غير محمودة، فإن الجهاد خطة عظمى لا يتصدرها إلا الإمام الأعظم، وإمامنا اليوم هو مولاي حفيظ، فإنه لم يعد بعد قيامه على أخيه مولاي عبد العزيز بالجهاد، إن دخل فاسا فسكن هناك، فوقع فيما وقع فيه أخوه بل صار يأمر الناس بالهدوء، فهذا الشيخ ماء العينين قد أمره أن يترك هو وأصحابه الجهاد في الصحراء، وكذلك يقع لكل من يتصدر لذلك ومتى خرق سياج ما أمر به السلطان تأتي وراء ذلك فتن أعظم وأعظم, ونحن الآن إن أردنا أن نذهب إلى الشاوية لنكون هناك مع المجاهدين فإننا لا بد أن نذهب نحن والفقراء وهم آلاف، فأين الزاد وأين النظام المطلوب؟ وهذا الأمر لا يستقيم إلا بالسلطان, وكل من تصدر له دونهـ خصوصا إن كان ذا شهرةـ فإنه لا بد أن يظن منه أنه يخالف السلطان، ومخالفة السلطان لا تؤدي إلى خير كيفما كانت.