فهرس الكتاب
أرأيت كيف يتحدث الحاحيون عن الشيخ حول هذا الموضوع؟ فكيف إذن يتحدث عنه السوسيون فيه، وهم الذين كان يماسيهم بذلك ويصابحهم نحو ثلاث سنين؟ فقد كان ما يقوله إذ ذاك حديث المجالس حتى إن الذين لا يتقون إلا ولا ذمة في أهل الخير اتخذوا ما يقوله الشيخ سخرية وهزءا، فمنهم من يقول: إنما يريد بذلك الذي يعلنه أن يقتدي به الناس، فيجدد له مكانة أخرى أعظم من مكانته التي كانت له، حتى إن الشيخ أقبل يوما في الطريق عند قرية عين إبراهيم بن صالح من أرباض تزنت، فلاحظته جماعة كثيرة وهم منتدون على شيء، فقال منهم قائل: هذا الشيخ قد أقبل وهو الذي ينادي بالجهاد فهل تقدرون أن لا تقوموا له إذا مر بكم لتروه بإعراضكم أنكم لا تبالون به ولا بما يقوله؟ فتعاهدوا كلهم على ذلك، ولكن ما كاد الشيخ يقبل عليهم حتى بادروا جميعهم إلى مقابلته والسلام عليه بكل إجلال واحترام، قال من حكى ذلك وهو من تلك الجماعة: لما رأيت ذلك تبت إلى الله، فعرفت أن الشيخ مؤيد من عند الله.
كان الشيخ عام 1327ه في السويرة وقد أحدثت فيها إذ ذاك محطة البرق بإذن من السلطان مولاي حفيظ، فذهب إلى المحطة فأكثر السؤال والبحث حتى أدرك الذي يؤديه التلغراف، فلما رجع صار يحكي لمثل الفقيه سيدي علي بن عبد الله ما رأى, وقد قال لغيره: إن المسلمين أخاف أن لا يجدوا شيئا في المقاومة؛ لأن عند العدو من السلاح ومن آلات الهجوم والدفاع والمحادثات ما ليس عند المسلمين، ولكننا مع كل هذا لا نيأس"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".
وكانت عادة الشيخ أنه كلما جال في مجالاته الخاصة والعامة حول هذه المقاومة لا يملك عينيه، على خلاف ما يعهده منه أصحابه من التجلد ومغالبة حاله 305/1
306/1 عندما يخوض في كل شيء مؤثر، ولكنه في هذا الموضوع يغلب على حاله، لعمق الفكرة في نفسه بغمرة الإيمان، فلا يحبس أن تجيش دموعه رغما عن تجلده المعروف.