فهرس الكتاب
"والأذن تعشق قبل العين أحيانا"، وبعد شهور فوجئنا يوما بمجيئه، وكنت أتوقع أن أراه متجهما عبوسا، وفق ما كان الطلبة يذكرونه عنه بعد توبته التي سافر عن المدرسة وهو متلبس بها متزمت بسببها، ولكنني، مع ثلة من قرنائي، جالسناه إثر مجيئه في ذلك الأسطوان الذي تطلع منه مدارج السطح أمام مصلى المدرسة، وقد كنت، إذ ذاك، أسدر في غلواء الغرارة، والنشاط يحفزني، ونباهة الأسرة تستخفني، والحرية التي لنا في المدرسة تقفز بي، فقلت إثر جلوسنا حوله، وهو يتأملنا ويصعد فينا بصره ويصوبه: ليت شعري، ماذا يشبه هذا المكان المبني هكذا أمام هذا المصلى، ثم له بعد باب إلى الخارج وعن يمين الداخل منه متسع، وفي يساره مطلع المدارج؟ قلت ذلك بتحذلق صبي يتعلم الجرأة، ويدعي أنه يأتي بما يستدعي التنكيت، فقال البوزاكارني ضاحكا: أتريد ن أريك ما يشبهه؟ إنه يشبه مكانا مبنيا أمام مصلى مدرسة في (تانكرت) في (أفران) ، يجلس فيه الآن صبية أنشط من الغزلان المقمرة، لا يجد الخجل إلى أساريرهم من سبيل. فتمايلنا ضحكا من قوله حين شبه الشيء بنفسه، ثم قال: إن تشبيه الشيء بنفسه معروف عند الناس، وقال الشاعر:
كأننا والماء حولنا *** قوم جلوس حولهم ماء
فكان ذلك أعظم دليل، عندنا، على أن الرجل قد طلق تزمته، ثم رأينا منه بعد ذلك، بتداول الأيام، ما دل على الأريحية والمسايرة، فكان معنا كأحدنا، غير متعال، فأمكن له أن ينفعنا. وإذ ليس له بيت خاص ولا شيء يعتمد عليه، كان الراغبون من الطلبة في الانتفاع به تلاوة لكتب الأدب يئوونه ويشاركونه فيما عندهم، ويحكمونه في كل ما يريده، حتى ليدعون له التصرف التام في ذات أيديهم؛ استدارارا لعطفه، وتحريا في إدراك رضاه، وهل ينتفع من مثله إلا مع الرضا التام؟
إن المعلم والطبيب كلاهما *** لا ينصحان إذا هما لم يكرما