فهرس الكتاب
وقد كان للأديب الحامدي وصاحبه المرحوم الأديب سيدي محمد التملي، السابقة إليه، فحرصا عليه أتم حرص، لا يجد معهما أحد فرصة في التلاوة عليه، إلا أنني والأخ الأديب المرحوم سيدي محمد بن الطيب الدشيري زاحمناهما عليه، حتى كان لنا منه نصيب وافر، فكان، جزاه الله بكل خير، هو الذي بذر البذرة الأدبية التي أثمرت لنا ما نحن فيه الآن، وكان أخيرا يحنو علي حنوا خاصا، ويرجو مني أن اكون بين أفاضل المتأدبين شيئا مذكورا، ثم كان له مع ذلك في تثقيفي وتقويم أودي يد ضاغطة؛ فقد رآني لا أحافظ على الصلاة فحملق إلي يوما وفي يده سوط، وقال: والله، لئن لم تواظب على الصلاة منذ اليوم لترين مني يوما أسود. وقد كان معروفا أن وعيده منجز، فكان ذلك اليوم أول عهدي بالمحافظة على الصلاة. وأتذكر أنني كنت غسلت ذلك النهار ثيابي، فافتتحت الطهارة التامة، وقضيت صلاة عام، ثم بالغت في التحفظ حتى غلبت الوسوسة لكثرة إلحاحي على نفسي، وقد اتخذت لي سبحة ولازمت نوافل، فلم يزل معي، أيضا، حتى أزال عني الوسوسة من الوضوء والاغتسال بمراقبتي، فهكذا ظفرت منه بالدين، كما ظفرت منه بالأدب، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فبأي لسان أشكره؟ أم بأي يراع أخلد له ما أضمره له في التاريخ ما يستحقه مني؟
وأول كتاب تلوته عليه: كتاب (حياة الحيوان) للدميري، وكأنني الآن أستحضر أسفار يوم قبل طلوع الشمس، أتلو عليه خطبة الكتاب، ويفسر لي تلك الأمثال التي تحتوي عليها، كقولهم: (تحككت العقرب بالأفعى، واستنت الفصال حتى القرعاء) (1)
(1) هذا مثل يضرب لمن يزاحم من لا يدرك شأوه، وتحككتإالخ أي: تريد مغالبتها مع أن سم الأفعى أخطر من سمها، واستنت أي: تسابقت، والفصال ج فصيل، ولد الناقة، والقرعاء: التي بها قرع، وهو بثر أبيض من الأمراض الجلدية، وهذا كناية عن ضعفها.