الصفحة 4239 من 9223

، كما أنني تلوت عليه، أيضا، شيئا من (نفح الطيب) ، ومن (الطبقات) لابن خلكان، ومن (قلائد العقيان) ، ومن (مروج الذهب) ، وكل (سيرة ابن هشام) نحو مرتين. وقد كنت أحضر مع الأديب الحامدي عند تلاوته أو تلاوة صاحب التملي عليه، فكان كل ذلك سبب تقدمي في ميدان الأدب، مع مؤاخذتي بحفظ كل ما يستحسن من القطع والقصائد فضلا عن الأبيات المفردة.

ثم إنه صار يأخذني بقرض الشعر، فصرت أصوغ ما أقدر عليه، وهو يشجعني ويثني علي، حتى قلت يوما قطعة تائية تحتوي على بضعة أبيات اتفق أن كانت كلها متزنة، لها معنى يعرف، فقال: ها أنتذا اليوم ابتدأت تصوغ صوغا عربيا. فقلت له: أو لم أكن أقول قبل اليوم ما هو عربي؟ فقال: إنما كنت تهذي فأتركك على هذيانك تشجيعا لك، لئلا تفتر همتك.

ثم صار يشجعني حتى كنت أدعي أنني وأنني، فصار بعض المبتدئين يتلون علي، تعظما وتنفجا مع أنني لا أزال صفرا من الأصفار.

ومن نكته معي: أنه قال لي يوما: إن كل من في المدرسة يعلوهم مقامك. فرآني مستبشرا بما قال مغتبطا، فقال تنكيتا: ولكن عليك أن تعرف أن كل من يعلوه مقامك، فالموت خير له من الحياة. وهكذا انفش ما كان في منتفخا، فكانت كلمة ما زلت أقولها إلى الآن لكل من يراني أعلى منه، استنهاضا له، لأنها كلمة حق، وإن صيغت في صورة المزاح، فهكذا صار يربيني ويهذبني بقوله وبفعله المصوغ في لطمات مباركة، وقرصات ميمونة، جزاه الله عنا خيرا بأفضل ما جزى به المربين المثققين.

ما ناصحتك خبايا الود من رجل *** ما لم ينلك بمكروه من العذل

محبتي فيك تأبى أن تسامحني *** بأن أراك على شيء من الزلل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت