فهرس الكتاب
وعلى تلك الحالة تفرقنا أواخر 1336هـ، وأنا شاد في الأدب ولا أنسى، إن نسيت كل شيء، ما كان يصبر فيه معي حين أتلو عليه، فإنني كنت منثلم الحافظة، لا أعي كثيرا، فسرعان ما أنسى ظبط كلمة، فلا يزال يعلمني من غير معاتبة ولا تأنيب غالبا، وقد رآني يوما وبعض الطلبة يتلو علي أقول له: كم مرة أريتك كيف ضبط هذه اللفظة ثم ها أنتذا تحرفها من جديد. فقال: لو كنت أتخذ معك هذا الخلق لما كنت شيئا مذكورا.
ثم بعد تفرقنا عن المدرسة أواخر1336هـ، والتحقت بحوز مراكش ثم بمراكش، صرت كلما زرت البلد أتلقى معه، وهو، إذ ذاك، يوجد في المدرسة (الإلغية) كثيرا، فأخاطبه ويخاطبني، ويبلغني عنه أنه يشهد بأنني سأكون وأكون، فيحفزني ذلك إلى الاستزادة في الأدب. وكنت أريد أن أبرهن عن أنني في زيادة بما أقوله وأرسله إليه، فكنت أحرر إليه الرسائل الآتية والقصائد يحتوي عليها بعضها فيتلقاها بكلتا اليدين، ثم هو يجيبني برسالة كبيرة عالية، أو يخاطبني في قدماتي إلى (إلغ) بقواف، وكذلك أريه كل ما أقوله في غيره كالقصيدتين اللتين قلتهما في جانب شيخنا سيدي سعيد التناني؛ الدالية التي أولها:
صابت سحائب دمعي المتبدد *** مذ شمت بارق ثغرك المتنضد
والقافية التي مطلعها:
أبارق السفح في جنح الدجى ائتلقا *** أم الهلال جلا لما جلا الغسقا
فكان حين أنشدته الدالية في فرح عظيم، وحين رأى منها كثرة التضمين قال:"إن هذه دالية قطفت من كل الداليات"، فورى بالدالية التي تطلق على شجرة العنب المرفوعة على رفاف القصب، كما قال في القافية:"إنها السابقة في الميدان دون أخواتها اللاتي عورضن بها"، والقصيدتان في ترجمة شيخنا سيدي سعيد التناني في (الفصل الثاني) من (القسم الرابع) . ثم لما أرسلت إلى الأستاذ أبي الحسن الإلغي، رحمه الله، القصيدة الميمية التي مطلعها:
أعاطي أكؤس السلوى نديمي *** وبي ما بي من الشجو العظيم