فهرس الكتاب
ثم بعد ذلك انطوى في الأحشاء ما لست أنشره، (وكان ما كان مما لست أذكره(1) ، أو يتوب الزمان من ذنبه، ويبذل بعد الخليط بقربه، ويغرم من حلو العيش ما أتلفه
(والمتلف الشيء غارمه) (2) ويرجعنا إليك أيتها الحضرة التي:
إذا ظفرت منك العيون بنظرة *** أثاب بها معيي المطي ورازمه (3)
فحينئذ تشاهد أيها الميمون، في جسمي المغبون:
ضعفا إذا كنت من قبل سمعت به *** ما كنت إلا إلى البهتان ناسبه
فرج الله عن كل كئيب، ورد إلى الأوطان كل غريب، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير، وبالإجابة جدير).
انتهت الرسالة التي كنت أتخيل فيها البين المضني، وأدعي أنني استوحشت في (مراكش) اشتياقا إلى (إلغ) ، وأنا، إذ ذاك، معذور لأني لما تفتح لي مراكش قلوبها، وتحلني بين ضلوعها، فها أنذا اليوم بعد ما فارقتها، وذقت البين حقا، رأيت عيانا ما كنت أتخيله في تلك الرسالة، تحذلقا وتسكعا في طرق كلام الفقه وتلفيقا، فليت شعري، كيف أكتب اليوم إلى هذا الأستاذ لو تمكنت من الكتابة إليه؟ أم كيف أشكو إليه ما لاقيته حقيقة من صدمة هائلة تلقيتها بأم دماغي، يوم نفيت عن (مراكش) ؟ فالدهر أبو العجائب، فكم من متأدب مثلي يتفصح بذكر لواعج الفراق وصدمات الدهر وأحزان البين، في وقت كان فيه خلو الفؤاد مقرور العين مثلج الصدر، ثم لا ينشب أن يلقيه الزمن في الذي يصفه، فيرى مشاهدة ما يدعيه تخيلا، ولهذا يجب على المرء أن يتفاءل بالخير والمسرة دائما، وأن يلقي عنه كل تخيل أسود.
(1) شطر لابن المعتز من قطعة. وتمامه:
"فظن خيرا ولا تسل عن الخبر"
(2) وأوله:
قفي تغرمي الأولى من اللحظ مهجتي *** بثانية والمتلف الشيء غارمه
(3) أثاب الرجل: رجعت إليه صحته والمعيي: من أعيا ولم يقدر على النهوض بعد والمطي جمع مطية: الدابة ونحوها مما يركب ويستوي فيها ـ المذكر والمؤنث فالبعير مطية والناقة ورزم البعير كجلس ونظر: كان لا يقوم هزالا.