فهرس الكتاب
رأيت الاساتذة الذين ربض المترجم أمامهم أزمانا فأزمانا، وقد كانوا من المعارف والآداب والتحصيل بحورا، أفلا يكون على الأقل جدولا طافحا يمتد من أمواجهم المتدفقة؟ أفلا يكون كرع حتى ارتوى من بحورهم، وحتى ضرب بعطن؟ متفوقا مذكورا بين أقرانه بالتحليق في السماوات، بلى، فلذلك كان يذكر بالتحصيل، وبإتقان الفنون التي أخذها، ولذلك لم يكد يشرق في سماء بلده حتى كان كوكبا وهاجا في مبادئه، ثم صار يستحيل إلى بدر يزداد إشراقا كلما تطاول عمره، فلم ينشب بعد أن طوى الموت فقهاء الجيل قبله أن كان عالم قبيلة (الساحل) مرجعا في المشكلات، ومحورا في العلوم، وها هو ذا الآن صار قطب الشرعيات هناك، ولعل الغد يأتي منه بأكثر مما يبشر به اليوم.
من منشداته:
جلسنا يوما نتجاذب أخبار المجدودين والنوكى فأنشد:
عش بجد ولا يضرك نوك *** إنما عيش من ترى بالجدود
وأنشد أيضا:
تبا لدهر قد أتى بعجاب *** ومحا رسوم العلم والآداب
وأتى بكتاب لو انبسطت يدي *** فيهم رددتهم إلى الكتاب
وأنشد أيضا:
جرى طلقا حتى إذا قيل سابق *** تداركه عرق اللئام فبلدا
وأنشد أيضا:
سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا *** بكل سكوب صيب المزن مغدق
جالسته مرتين في (تزنيت) ، وجاذبته الحديث، ومقصودي أن أستنبط ما وراء إطراقه الذي لازمه أمامي، حياء جبل عليه، فحاولت أن يكثر منه الإنشادات على ما يعهد من أبناء المدرسة (الإلغية) الأدبية، ولكن لم يتيسر منه إلا هذه الأبيات التي أنشدها في عرض الحديث. ويظهر أن حافظته الأدبية يغلب عليها وكاء الخجل، ولا ريب أن الخجل إذا استولى يغطي عن كثير من محاسن الإنسان، فكثيرا ما يكع الفارس في الوغى عن أحد مبارزيه، وما أداه إلى ذلك إلا خجله، ومن استعمل الشيء في غير محله فجدير به أن لا يفوز، وأيا كان، فمن أمثال هذه المنشدات يسبر غور الرجل، حفظه الله.
أحمد بن محمد
بيشوارين الساحلي
1322هـ = حي