الصفحة 4453 من 9223

انتهى ما وجدنا من مبيضة هذه الرسالة الفذة، فإنها تبرهن عما يلاقيه هذا البائس المنكود من الزمن، ولعمري، إنه لولا التفريط الذي يعم أمثال هذه الرسائل، لأمكن لمثلي من المؤرخين أن يزينوا التراجم الساسيين بما يلذ ويستطاب، فقد ظهرت نفسية الكاتب جلية كما هي، كما برزت مقدرته في التعبير، حتى إنه من شدة ما يلح عليه حين يكتب الرسالة من الهم، بل ومن الشغب المحض، كما يظهر لينسى السجع أحيانا، مع أن السجع عند طبقته هو الحجر الأساسي في البلاغة، فجاء هذا النسيان مستلطفا شهيا، كما أنه دال على أن الكاتب يقدر أن يكون من المترسلين المطلقين لو سامحته بيئته، ونشكر له غيبيا اعتناءه بهذا الأثر حتى قيده أولا في ذلك الكناش، فكان خير صوان له، حتى توصلنا به، وليس مقصودي أن هذه الرسالة فذة بالغة الذروة، وأما قصدي أنها مثال حي لطيف لكاتبها، وذلك يكفي المؤرخ مثلي.

ومن آثاره، أيضا، هذه الأبيات، قالها في (أيليغ) ، أنقلها من ذلك الكناش نفسه، وهاك ما كتبه قبلها:

"قلت في يوم السبت الخامس من ذي القعدة الحرام عام 1337هـ، أبياتا مدحا لمدينة (أيليغ) ، حرسها الله وعمرها بأنواع الفضائل، ومتعها بالأرزاق الواسعة الجزيلة، والهناء المتسع، ما أظلت الخضراء على الغبراء، بجاه ذي السنة الغراء، صلى الله عليه وسلم":

(أيليغ) أرض خيرها واسع *** وفضلها ليس له دافع

يا من يسوي ما سواها بها *** هل يستوي المعتر والقانع

حصباؤها در وتربتها *** مسك وإن عرفها ساطع

ونبتها الريحان يشذي بها *** من حلها في راحة هاجع

رب غفور بلد طيب *** بمائه وروضه يانع

ذات الظلال والمياه التي *** معينها من كوثر نابع

وقد وقفت له، أيضا، على عينيته، وازن بها قول السهيلي المشهور في عينيته الاستغاثية، يتوسل فيها بالشيخ سيدي أحمد بن موسى، غير أنها ليست هناك. وقد استعان فيها بكثير من قوافي تلك العينية، بل ببعض أشطارها، على غير قصد التضمين المباح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت