فهرس الكتاب
هذا هو شغل الأستاذ الشاغل منذ اجتمعت كلمة هذه القبائل الجبلية والجنوبية على مناصرة الهيبة وخلفه في الكفاح والمقاومة، فعلا كعبه في الرياسة وكاد يكون وحده قطبا لا يتخطى في المهمات أمره، وقد اتخذه القائد المدني الإخصاصي الذي كان هو في الحقيقة كبش الكتيبة والمنتفع بحليب هذا الضرع الدار شريكا ونجيا، والأستاذ شيخنا سيدي الطاهر الإفراني تلميذه يسانده ويشد عضده، ويؤمن على كل دعواته، فقد حضرا معا في وقعة وجان يوم زحف إليه القائد حيدة فكانا ممن تسللوا إلى وجان حين حوصرت في ذلك اليوم المشهود كما حضرا أيضا حين سقط القائد حيدة هذا قتيلا، ولهما في ذلك نظراء, وكانا عام 1335 همن بين المقاومين يوم الزحف الأكبر بالجيش الجنرالي- كما اشتهر به في هذه الجهات إلى الآن- ثم كانا أيضا من الزاحفين إلى أداوزكري مرات وإلى أيت ودريم وإلى غير ذلك مما وقعت فيه حروب ومجاذبات بين هذه القبائل وبين الحكومة وهو في كل ذلك بذلاقة لسانه وبلاغة بيانه وتدفق عباراته التي تتدفق كلما قام في مجمع من مجامع القبائل للوعظ يترقى في أعين الناس ترقيا عظيما، حتى كان يحسب له ولرأيه ألف حساب مع ثبات جأش وشجاعة تؤثر, فوطئ رؤساء القبائل عقبه، ووفدوا زرافات إلى داره, وهو في كل ذلك لا مطمع له إلا إسداء النصح لإخوانه لا غير، ولا يقصد أي شيء آخر, على حين أن القائد المدني الذي كثيرا ما يجعله تكأة يسر في كل ما يفعله من ذلك الحسو في الارتغاء, فمقصوده الوحيد أن يتغلب ويتمكن من أعناق الضعفاء فيمتص دماءهم، حتى لا يذر فيها قطرة واحدة، وإما يحكم عليه بهذا؛ لأن ذلك هو الذي يظهر منه في كل القبائل التي تحت كنفه، فلا شفقة ولا رحمة، ولكن الأستاذ مع كل هذا كان يحسن فيه الظن؛ لطيب سريرته وذكاء عنصره؛ ولأن الفقهاء أبعد الناس عن متجهات السياسة ومغامزها، كما قاله ابن خلدون.