فهرس الكتاب
من التعريف بسلف الرجال. وما لهم في ذلك من أحوال ومقال. قلت كان صاحب الترجمة رحمه الله ممن يقدم على الغنيمة. بحيث رفض الدنيا [ 11 / 250 ] . ولسان حاله يقول: يا طالب الدنيا لتبر بها غيرك. تركك لها أبر وأبر. وكان يقول: كم بيننا وبين السلف الصالح. أقبلت عليهم الدنيا فما نظروا اليها. ونحن هربت منا فاتبعناها. ولكل مقام راجال. ومن شأن الشارع صلى الله عليه وسلم أن يرغب كل أحد فيها إقامه الله فيه. لئلا تتعطل الأسباب. وقد أجمع الحكماء أن كمال النعيم في الدنيا نقص لنعيم الآخرة. وقد كان لايدخر لزمانه شيئا. آخذا بوصية الحسن البصري رضي الله عنه حين قال: يا ابن آدم إنفق مالك ولا يغرنك ما حولك من هذه السباع الضارية. يعني الأولاد الحلائل والخادم. فإن الولد مثل الأسد ينازعك في المال. ليختص به دونك. والحليلة مثل الكلبة في البصبصة. والخادم مثل الثعلب في الحقد والسرقة. فلا تطلب المودة من هؤلاء. فإنما هم معك على حالة قبيحة. فإذا وضعوك في اللحد. رجعوا لبيوتهم فبخروا الثياب. وعانقوا النساء. وبطروا بالمال. وإنك لمحاسب عليه. وكان يقول لنا: توريث الأدب والعلم للأولاد. خير لهم من المال. لأن الأدب يكسبهم الجاه. ومحبة الأخوان. ويجمع لهم خير الدنيا والآخرة. والمال يفنى سريعا. ويشهد لما قدمناه من زهده أنه لا يوجد في مسكنه شيء له بال من الأمتعة ولا نمارق ولا زرابي. إلا ما كان من الحصير فقط. هذا ديدنه مع الدنيا. يناقش فيه نفسه. متفقدا لجوارحه. ففي الحديث: انته عما نهاك الله عنه تكن أورع الناس. وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: لو صمتم حتي تكونوا كالأوتار وصليتم حتى تكونوا كالحنايا. ما نفعكم ذلك إلا إن كان منكم ورع صادق. وقد قالوا: لا خير في فقه لا ورع فيه. وقد كان ابن السماك يقول: من تطلب العلم بلا عمل. كان قدوته إبليس. ومن تطلب الرياسة كان قدوته فرعون. ومن تطلب التورع كان قدوته الأنبياء. وقد قيل أربعة إن