فهرس الكتاب
من شأنهم في صلاح حالهم ودينهم ما كان قاله الله العظيم حاكيا عن نبيه الكليم (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) فمثل هذا تكون عاقبة كل فرار صادق مما سوى الله إلى الله. قال الله العظيم (ففروا إلى الله) سئل بعضهم عن معنى قول رسول الله: سافروا تغنموا. فقال معناه سافروا إلينا تجدونا في أول قدم. ومع هذا فاعلم سيدي أن الفارين إلى الله تعالى على ثلاثة أصناف: فصنف قاصدون. وصنف سالكون. وصنف واصلون. فما رجع من رجع إلا من الطريق. وأما الواصل إلى الله فإنه لم يرجع. قال: فإن قلت إذا كان ذلك كذلك فدلني رحمك الله تعالى على سبب يورثني حصول هذا المطلب الكريم العظيم الذي هو الوصول إلى الله تعالى على اختلاف مراتبه بحسب التحلي من طريق الأفعال والأسماء والصفات والذات. هل هو فرار من منزل إلى منزل. أو غير ذلك. فالذي عند سادتي ورب الكعبة إنه ليس بفرار من منزل إلى منزل. وإنما هو الفرار من أوصاف الربوبية التي اختص به المولى جل جلاله. وحرم ادعاءها على عباده لنفوسهم ولغيرهم. وهي الغنى والقوة والعلم والقدرة والعزة. إلى أوصاف العبودية التي أمر الله عباده أن يعتقدوا ويتحققوا أنهم متصفون بها حقا ويقينا. وهي خمسة: الفقر والضعف والجهل والعجز والذلة. ويجمع ذلك كله أن يعتقد العزة لربه والذلة له ولغيره من الخلائق كائنا من كان ذلك الغير. اقرأوا إن شئتم (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) لأن الجميع مفتقر إلى الله تعالى. وذليل له. لكن يسبل على من يشاء من خواص عباده من العزة ما يشاء. وكيف شاء. فسبحان الملك الوهاب. ذي الفضل والإحسان والطول والامتنان. فحين اتصف الباري تعالى بالغنى والقدرة كيف لا يكون عزيزا. وحين ثبت الفقر والضعف والعجز والجهل لسائر الخلائق كيف لا يكونون أذلاء. فإذا نظر العبد العاقل بنور عقله. ظهر له من يقين فكره. أن مولانا مختص بأوصاف الربوبية. وما سواه