فهرس الكتاب
ثم بعد هذا التاريخ الذي وقفنا فيه مسايرة حياته ظهر أنه كنتيجة لتلك المقدمات فإن الأمن قد استتب من بعد 1340 هـ إلى هذه السنة التي أكتب فيها هذه الترجمة مفتتح 1363 هـ فقد أبدأ وأعاد في إرشاد العباد جهده وفق ما يعلم لم يحد عن ذلك قيد شبر فلا الدنيا التي أقبلت عليه بأموالها ولا الجاه الذي أحاط به سرادقه باحترام القبائل ورؤسائها ولا كثرة المريدين من الطوائف التي تتوارد عليه كل يوم بقوافلها قدرت أن تثبط همته عن إقباله على ربه بأوراده الكثيرة التي أخذ بها نفسه من قديم فإن من عادته دائما حضرا وسفرا منفردا ومجتمعا ملازمة القبلة غالبا بوجهه من صلاة الصبح إلى أن يصلي الضحى ولا يحول بينه وبين ذلك أي شاغل ما لم يضطر اضطرارا ومن أوراده أيضا ملازمة التراويح كل ليلة في رمضان وفي غيره ومن عادته أنه إن انفرد أقبل على الذكر وإن كان في الجماعة يذاكر أصحابه في المسائل التي تعود عليهم بخير وكان يألف ويؤلف بكل سهولة وله مغناطيس جذاب وأخلاق دمثة وحال هادئ من المسكنة والتواضع الذي لا يدخله التصنع وكثرا ما أجلس أمامه واستحضر من أعرفهم من متصوفة الوقت والمتصدرين على منصات المشيخة وأمعن ببصري وببصيرتي وأزن بميزان السنة فوالله - وهي إليه ألقى بها الله - لا أرى منه إلا ما هو المطلوب من المؤمنين الخاشعين السذاج الأغرار الكرماء ممن يمشون على الأرض هونا فلا يدعي دعوى ولا يتعالى فيشير إلى نفسه بالخصوصية فضلا عن أن يصرح بذلك والعجب منه أنه ربما كان في الحين الذي يقول ما يتضمن ذلك أثناء أحاديثه يعلن لسان حاله - وهو أصدق لسان - بأن الحديث لا تصنع فيه ولا تمويه ولا زخرفة ولا دعوى. ولا ريب أن من عنده بصيرة وتوسم لا يخفى عنه مثل هذا الحال ولا تلتبس أمامه الأدلة أوَ تلتبس الألوان أمام الأبصار السليمة؟