فهرس الكتاب
كان من خير عباد الله الصالحين. ومن الصوفية الأبرار. وناهيك بمن تهذب بالتاموديزتى. أتراه يخرج عن مهيعه؟ وقد دخلت يوما إلى مصلى مسجد (المعدر) سنة 1332 هـ وأنا صغير وقت الصلاة فلمحت رجلا ذا هيبة ووقار وتؤدة. وعليه لباس صوف وسط ليس بالعالي ولا بالرديء فسمعت من قال إنه سيدي مبارك البعقيلي وهي المرة الواحدة التي رأيته فيها. وكان مائلا إلى التوسط بين الصوفية والفقهاء. فكان يخالط كل فريق بمقدار. من غير أن تذوب شخصيته. ولذلك ترى له ذكرا جميلا بين الطائفتين معا. وكان أيضًا لا يتظاهر بالإعراض عن الدنيا. بل يزاول ما لابد من شئونها فكان يقبل ويدبر بمقياس من غير هلع. فلم يؤثر عنه أنه جرى في ذلك الميدان الذي ألف الجشعون أن يتجاروا فيه إطلاقا كأنهم محاضير تتسابق إلى رأس الميدان يوم سباق، وكان متمكنا في معارفه فهامة ذلقا. غير أنه لتواضعه ولعدم تطلعه إلى الشهرة. لا يرفع رأسه بذلك وأدل دليل على مركزه في الفنون ما نراه من ولده العلامة سيدي الحسن. فإنه لم يتجاوزه في الأخذ. مع أننا نراه فقيهًا عربيًّا أصوليًّا بيانيًّا مؤرخًا معتنيا. ثم بعد ذلك نباهة فائقة. ولابد أن ذلك من بذور والده سيدي مبارك.
أما آثاره فلم يحضر عندي الآن إلا ما خاطب به أحد أشياخه ولعله أبو فارس وهو:
هل القلب يسلو بعدما الجسم نازح *** عن الوطن المألوف أو هو يذهل
ربوع بني يعقوب أن غاب شارق *** بدا كوكب أشرق من ذا وايحل (1)
فقلت ورب البيت أن ذاك وارثة *** من الجد خير المرسلين تسلسل
حباهم إله العرش بالعلم والتقى *** أولئك قوم مجدهم ليس يخمل
بهم قد تجلت للعباد هداية *** أولو الحزم في الإدراك والحزم أفعل
هم الأهل لا يغنيك أهل قرابة *** غناهم ولا مولاهم الجان يخذل
ومنها:
صبور محافظ على العهد دائما *** سراج الهدى سنا إذا الليل أليل
له شيمة في الجود لم تعط قبله *** ولا بعده شخصا من الناس يأمل
(1) كذا.