فهرس الكتاب
حكى لي فاه لأذني أنه اتصل بالشيخ سنة 1309 هـ حين كان في مدرسة (تيغانيمين) قال: كان الشيخ بات هناك عندنا مع طائفته. فراقبت أحواله في حانة الذكر مع الفقراء. وفي حالة مذاكرته معهم. فهز قلبي بكلامه الذي يلين الصخور. ثم بعد أن أبهار الليل. وقد افترق الناس. وأوى الفقراء إلى مضاجعهم؛ دخل الشيخ وحده بيتا مظلما. حيث يظن أنه لا يراه أحد. فأقبلت إلى خصاص بابه متحسسا ما عسى أن يصنع وحده فسمعته افتتح في تهجد حزب (أن كثيرا) فلم يزل بين قيام وسجود. إلى أن وصل (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) فأظل وقت السحر. فاضطجع قليلا. ثم خرج ينادي خادمه الخاص سيدي بلعيدا (1) الصوابي. فأمره بإيقاظ الفقراء. وقد بقي لطلوع الفجر نحو ساعتين بمقياس الميقاتيين. قال: وأنا في كل ذلك مأخوذ اللب بما أراه منه. مبهور بإقباله على ربه. فكان ذلك هو الذي حداني حتى انخرطت في اتباعه في اليوم نفسه. ذلك ما حكاه لي. ثم إنه غرق في التصوف إلى أذنيه. فكان صواما قواما. حتى إنه يواخذ أهله بالتهجد. فكان ذلك سبب نشوز زوجة له. وقد ذكرت ما وقع له معها. بعد أن ذكرت كيف تزوجها في الجزء الذي كتبته عن سيدي بلعيد الصوابي في كتاب (من أفواه الرجال) وكذلك كان دائما يحظى بالصلاة في أوائل الأوقات. حتى إنه ربما يشارط في مساجد لا يبادر أهلها إلى الائتمام به. مفتتح الوقت. فيؤدي ذلك أهل البلد حتى يودعوه. وكان كله جدا في جد. ذا ذوق عال؛ وفناء في مراقبة ربه. رأيت منه ذلك بنفسي وقد كنت أمعنت فيه يوما النظر فأقول بيني وبين نفسي: إن همما تقدر أن تستبدل من طلبة مدارس (سوس) حتى يستحيلوا مثل هذا خشوعا وإنكار نفس لهمم فعالة. لها مقدرة غريبة. وهذا الذوق الصوفي لم يفجأه اعتباطا. لأن والده كان ممن ينتسب إلى الشيخ المعدري وإن كان فوز الابن أعظم وأجلى مما ناله الأب ولم يعد أبوه انتساب
(1) بلعيد وبلقاسم: أصلهما في لسان الشلحيين أبو العيد وأبو القاسم.