الصفحة 5350 من 9223

24/13 من ذكر ذلك عنه، حتى أن تلميذًا من تلاميذه أدرك منه ذلك فلم يكتمه، فأمره بالخروج من المدرسة، ولو وقع ذلك لغيره لسرب إلى من يذكره عنه ما يحمله على أن يزيد في الطين بلة، ومجمل القول في سيدي مسعود من هذه الناحية أنه ليس بمغتر، وإنه يدرك أن ذلك الخرق للعادة لا يزيده عند الله قلامة ظفر، بل مثله يخاف أن يكون ذلك استدراجًا وتلاعبًا من الشيطان الذي يوحي إلى أوليائه، ويسرب إليهم الغيب ويخرق بهم العوائد، ويطوي بهم المسافات، ومن هنا قدرنا قدر سيدي مسعود الذي رأينا لا يلفت ذلك منه طرفًا، ولا يشغل منه ولو طرف بال، ولا أدل على ذلك من أنه لا يتظاهر بصلاح، بل يتظاهر بطمع كما رأيت، مع إلقائه ظهريًا كل بلهنية عيش (1) ورفاهية مطعم أو ملبس، فقد بات عنده يومًا بعض أصحابه وهو الشيخ الإلغي، فمضى معه من مسجد (المعدر) بعد صلاة العشاء، فجلس معه في ظلمة ولم يتيسر القنديل، فأتى إليه بخبزة وبزير زيت (2) ولم تتيسر سكرجة (3) فصارا يختلفان بأيديهما من منفتح الزير، يغمس كل واحد منهما بالتناوب يده بالخبز في الزيت من الزير، حتى أكلا بلا تصنع، ثم كان مع ذلك لا يعتني بالركوب في مسيره، بل كان كثيرًا ما يمشي راجلًا ثم لا يبالي، وكانت كسوته وسطًا ككسوة أهل طبقته من غير أن يعتني بما يقتضيه منصبه كعالم مدرس كبير القدر، شيخ جماعة كثيرة في سوس، أو كصالح رئيس في طريقة معتقد، بل كان يرمي كل ذلك وراءه، لا بخلًا ولا كزازة، بل انسياحًا مع طبيعته الجبلية حتى أمور دنياه كان يزاولها كالعادة، فقد كان عنده راع لغنمه، ففقد منها واحدة ثم أخرى ثم أخرى، والراعي ينكر أن يعلم إلى أين مضت، فداعاه إلى رؤساء المعدر

(1) 6 ـ بلهنية عيش: بضم الباء وفتح اللام وسكون الهاء ثم كسر النون: أي رخاؤه.

(2) 7 ـ الزير: إناء قائم ضيق القم.

(3) 8 ـ السكرجة: بضم السين المشددة وضم الكاف، وضم الراء المشددة أيضًا والجيم المفتوحة: هي الزلفة (بالتحريك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت