فهرس الكتاب
ومن أعظم كراماته الاستقامة على الكتاب والسنة، ما بدل ولا غير، ولا بطر، أقام رحمه الله على الجهاد طول عمره في العلم والعمل، حتى نال من ذلك غاية الأمل، ومع ذلك يرى أنه غير أهل لتلك المرتبة، وأكثر حاله ينشد:
يظنون بي خيرًا وما بي من خير *** ولكنني العبد الظلوم كما تدري
سترت عيوبي كلها عن عيونهم *** وألبستني -يا رب -ثوبًا على الستر
فلا تفضحن يوم القيامة أعيبي *** ولا تخزني اللهم في موقف الحشر 32/13
وكان لا يرفع صوته في المجلس إلا بقدر ما يسمع جلساؤه في العلم، وكان لا يسأل أحدًا من مال الدنيا، ولا يرد على أحد ما أعطاه مما لا شبهة فيه كما هو سبيل السنة، وكان ينزل الناس منازلهم ويكرم كريم القوم، ويهين الأراذل، لاسيما أصحاب الخصومات، فإنه يفر منهم ويطردهم وكان رحمه الله تاركًا لما لا يعنيه، مقبلًا على إصلاح شأنه، هاربًا من أمور العامة إلا ما لابد منه، ومع ذلك كان حريصًا على مصالح المسلمين، مهتمًا بإرشادهم، وحيث أكل الحصن الأسفل -من أيت إبراييم -لقي (بدراريًا) -أي جبليًا -عمر قميصه بالشعير وجعله على ظهره، والشعير يتشتت في الطريق، فقال له إن الشرع لم يجوز ذلك، فقال له: (لنعُرف أسنننتخدم) أي بالعرف نتمشى.