الصفحة 5369 من 9223

لم يكن الأستاذ محمد بن مسعود بذلك الجامد القنوع في باب التعليم، ولا بذلك المأفون الذي يقول: إن والدي عالم لا أتخطاه إلى غيره؛ إما تعصبًا لوالده، وإما لما يقوله أصحاب البركة -لا أصحاب العلوم -من أبناء بعض المدارس المتصوفة الذين يقولون: إن علمنا بركة لا أخذ، بل كان نهمًا متطلعًا سالكًا كل مسلك، طارقًا لكل باب قاطفًا لكل ثمرة، شامًا لكل زهرة، فبذلك أمكن له من المشاركة التامة، ومن الفكرة الناضجة ما لا يوجد عند كثيرين في سوس ممن نشأوا في مثل منبته، فقبعوا في حجور آبائهم فحرموا بركة المعاصرين لآبائهم، وإليك أساتذته 39/13

الأول -والده مسعود

هو أول أساتذته، وعليه تعويله، وبدروسه ترقى فكره، وتفتحت قريحته، وتحت إبطه خاض كل الفنون، وجنى من كل الأفنان وجرى في كل ميدان، فحاز الخصل (1) والأكفاء من لداته ينظرون، وكان بمنزلة الحدقة من عين والده، يحلفه حبًا جمًا، ويرى له ما لعله تفرسه من مستقبله، فكان يحافظ على راحته، حتى إذا نام في مجلس الدرس -وكثيرًا ما يكون كذلك -ويصير جيرانه من الطلبة ينبهونه بغمزه ينهاهم الأستاذ ويقول لهم: دعوه، فإن ما يقسم له لا يفوته، وكان رحمه الله نؤمة طبيعية جبل عليها طوال عمره.

ويؤثر أن الأستاذ أخبر بعض أهل سره: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم منامًا، فأراه ما يكون لولده هذا من مكانة، فنحن وإن لم نكن من المنامات في شيء غير أننا أيضًا لسنا من الذين يردون ما للأرواح، خصوصًا الأرواح الصافية، وتلك أحوال لا يعقلها إلا العالمون، والرؤيا تسر ولا تغر كما قاله الإمام مالك بن أنس.

(1) 12 ـالخصل كفلس: ما يحوزه السابق في حلبة الميدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت