الصفحة 5387 من 9223

في سنة 1309ه‍أقلع والده عن تلك المدرسة، وألقى مراسيه في (سيدي مزال) ثم في (المعدر) تاركًا الميدان لولده، وقد غادر هناك من نجباء التلاميذ من يذر من أجلهم الأستاذ الجديد النوم الذي كان يتسلط دائمًا على جنبه مرغمًا، ولا يدفع الإنسان إلى السهر، ولا إلى الإمعان في الاستعداد إلا اللدات الذين لابد أن يكون بينهم من لا يكون سؤاله أثناء الدرس إلا تعنتًا، وهذا ما كان، فإن ابن مسعود لم يكد يتصدر هنالك حتى توجه بكل ما أوتيه لاستحضار الدرس، فيطفح بالأبحاث، حتى أرغم لداته على أن يكونوا أمامه تلاميذ عن جدارة، ثم لهم الفخر بذلك، فوقع لابن مسعود مثل ما وقع لابن العربي الأدوزي يوم خلف له والده مدرسة عامرة فيها مائتان، فقد مثل كل واحد منهما دورًا عجيبًا، وضربا معًا من جدهما وإدمانهما في ذلك الدور مثلًا عاليًا يوقظ الوسنان، وينشط الكسلان، وإن كان ما بينهما غير سواء، فابن العربي المولود سنة 1249ه‍يكون له سنة 1286ه‍ثمان وثلاثون سنة، قضى أكثر من عشرين منها بين يدي دراسة والده، فلا يكون يوم يتصدى لإدارة الدراسة العامة في المدرسة إلا قارحًا منجذًا (1) بخلاف ابن مسعود المولود نحو 1283ه‍، فإنه لا يكون في مثل ذلك المقام سنة 1309ه‍، غير أن السنين في مثل ابن مسعود لا ينبغي أن تعد، فإنه يقطع في شهر ما يقطعه غيره في سنة، بهمته الدائمة في التقدم، وقد أخبرني الأستاذ الحسن بن مبارك البعقيلي المعدري: إنه رأى في حاشية بعض كتب الأستاذ التي كان يأخذ بها طررًا عجيبة من بنات فكره، وأحسبه ذكر لي (المحلى) قال: وذلك مكتوب قبل 1311ه‍، فهذا مما يدل كل الدلالة على أنه يوم تقدم إلى الميدان لم يكن إلا متمكنًا بارعًا ماهرًا، لا يؤخذ على غرة، وما ذكرنا ما ذكرناه من مماحكة الأقران إلا لأن ذلك أمر معتاد أن يكون، ولابد لمثله في مثل تلك

(1) 23 ـ القارح: أي مكتملًا قادرًا، وكثيرًا ما يستعمل في ذوات الحافر. ومنجذ: مجرب ناضج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت