الصفحة 5388 من 9223

البيئة التي انتقلت إليه فيها الإدارة العامة في ساعة، من يد أبيه إلى يهد، فلابد أن يكون هناك نجباء لا يرضخون لفهمه إلا مرغمين، ثم يتحولون بسرعة ثناءً عظيمًا على الأستاذ الجديد.

عصر دراسته الذهبي:

لم يكن الأستاذ قط ملقيًا وراءه ظهريًا الدراسة كل الإلقاء في كل أطوار حياته الآتية، غير أن ذلك منقسم إلى طورين متباينين، الطور الأول: من يوم 52/13

53/13 تولى إدارة الدراسة إلى نحو 1316ه‍، والطور الثاني: من ذلك العهد إلى أن توفي سنة 1330ه‍، فلكونه في الطور الثاني مأخوذًا بفكرة صوفية روحية غلابة، كانت تتخلل دراساته السائرة بعض أيام تشغر من الدراسة بسياحات صوفية، يندفع إليها بلا شعور، وقد غلب بما استولى عليه من سكرة الخمرة الروحية، ثم لم يهدأ ويلزم الدراسة ثانيًا بنظام إلا بعد أن اتصل بشيخه الصوفي الأخير الذي كان يحثه على ذلك، وبهذا الطور الثاني يتجلى كما هو للقارئ بعد حين، وأما الطور الأول فهو عهد متماسك الحلقات في التدريس والإفتاء والقضاء وتحرير المسائل، وقد سادت فيه أمواج زاخرة حصلت كلها للعلم فقط، لم يتجاوزه إلى غيره.

حقًا إن ما بين 1309ه‍وبين 1316ه‍هو العصر الذهبي من حياة ابن مسعود الدراسية، فقد امتدت أمامه جواء الأفهام الفسيحة، وخامرته سورة المعارف التي أخذت عليه لبه، فظهر بمظهر عالم كبير، يزاحم معاصريه من العلماء بأكتاف عريضة، دراسة وإفتاء وقضاء، فبينما يوالي في محفله بالمدرسة دروسًا حافلة أوسع من عهد والده، بما أهتم به هو من كل الفنون، فجعلها يومية لازمة، كالبيان والأصول والمنطق واللغة والأدب والحديث والتفسير، بينما هو يتابع ذلك كله لتلاميذه الكثيرين، أذابه يجاذب في النوازل كبار العلماء، فيرد على ذاك ويؤيد هذا، ويؤلف ضد زيد، ويفتي تأييدًا لعمرو، حتى إن عبارته إذ ذاك عبارة فقيه، اندفع بقوة فهمه، فيستحلى في رده أمثال هذه العبارات صدر رد له على بعض المفتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت