الصفحة 5397 من 9223

أثناء هذه اللهفة التي تركها ورد ماء العينين في قلب الأستاذ ابن مسعود، صادف أن التقى بالحاج بلخير البوشتي البعقيلي، وهو من المقدمين في الطريقة الناصرية، ولكن أحواله الظاهرة، مقتبسة من أحوال الطريقة الدرقاوية تقشفًا، وعقد مجالس للذكر في كل وقت، وكانت له حال غريبة تؤثر في الإنسان بادئ ذي بدء، ولسان قوال جوال في جواء المذاكرات العليا، ويحكى عنه في ذلك غرائب، فقد كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، غير أنه إذا شرع في تفسير حديث أو آية بلسان الصوفية يأتي بأذواق مستحلاة في الإفهام، فبهذا خلب الأستاذ ابن مسعود في أول يوم، فوجد من الأستاذ قبولًا وانقيادًا وشهوة ملحة، فيها لهف شديد إلى تلك الشربة، فناوله كأسًا مشمولة مترعة من الأحوال البادهة، والأقوال المعسولة، فقال الأستاذ هذه ضالتي التي أنشدها، لأنه لم يألف قط مثل ذلك لا من أبيه الذي كان لازم طريقته الناصرية ما شاء الله الهادئة الساكنة، كما لم يرح رائحة ذلك من الشيخ ماء العينين الجبل الراسخ، فانزج بذلك ابن مسعود فيما انزج فيه، كما يقع للنحلة إن أبصرت خابية عسل، فلم يكن الحاج بلخير ذا سياسية في أمره، يستعين بها على ملاك ما انتدب إليه، فكان ينقطع أحيانًا إلى المدرسة (البونعمانية) ، وحينًا يقدم الأستاذ ككل من اقتدى به وهم كثيرون انخرطوا في طريقته، وقاموا بين يديه صفوفًا كما يقف المريدون المخلصون أمام الأشياخ الكاملين.

يحكي الذين كانوا بين هؤلاء إذ ذاك: إنهم في أثناء مجالس الذكر، تعتريهم جميعًا أحوال قاهرة، فبمجرد ما يحدق الشيخ في أحدهم لا يحس نفسه حتى يقفز كالديك إن أصابته نواة خذف، ومرة جاء الحاج بلخير إلى المدرسة، فاعتكف فيها فيخدمه الأستاذ خدمة العبد، وفي أوقات المذاكرة يتلو الأستاذ من الكتاب، فيأتي الشيخ من تفسير ما يتلوه بالعجب مع أنه أمي وكان في أحواله كلها متقشفًا غاية التقشف، ضاربًا على وتر مخالفة النفس 59/13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت