فهرس الكتاب
ثم بعد لاى -ولم ينطق ينت شفة -استأذنني مخاطبي أن يرجع إلى ما نزل فيه، فأسعفته ثم خرج، ولم أعد أتذكره، فبعد أيام جلست في (القيسارية) عند دكان الأستاذ الأخ العزيز عبد الجليل بن القزيز، فقال إن هنا سوسيًا أديبًا ينشدنا مقطعات لطيفة للسويين، فأنشدني منها القطعة البائية لابن العربي الأدوزي في تفسير (روح المعاني) فملكني العجب، فقلت له: ليت شعري من هذا السوسي؟ فذكر أنه طالب نزل جديدًا في المدرسة (المواسينية) فلم أكن أهتدي إلى أن صاحبنا البونعماني هو هو، لأنني ما كان عندي في تلك المنزلة إذ ذاك، وقد استحوذت على غرارة نحوه، فكنت أدفعه عما هو في هامته مستقر، وفي يوم صادفته هناك أمام الدكان، فإذا بصاحبنا هو الذي سلم علي في تلك الليلة، وسرعان ما انكشف عنه السجف، وتجرأ قليلًا علي في المجاراة في الأدب، ثم لما قمنا من الدكان عرضت عليه أن يصاحبني إلى الرميلة، فاعتذر لي اعتذارًا مشوبًا بأنفة، فسامحته، ولم يدر بعد في بالي أنه متأثر بما سمعه مني من ذلك التأنيب ليلة لاقيته، والنفس الأبية تحتمل الموت ولا تحتمل مثل ذلك، ثم صرت بعد ذلك أعلم أنه استقر في المدرسة (المواسينية) عند الطلبة الأبزيويين الكرام، وقد عرفوا من نفسيته بسرعة، ما كنت أجهله منها، فربطوه بما يربط به الكرام أهل الأريحية الأدبية، فنزل عندهم نزول الضيف على آل المهلب شاتيا (1) .
(1) 114 ـ قال الشاعر:
…*نزلت على آل المهلب شاتيًا *** غريبًا عن الأوطان في زمن المحل
…*فما زال بي إحسانهم وافتقادهم *** وبرهم حتى حسبتهم أهلي