فهرس الكتاب
خرجت تلك الليلة بعد صلاة التراويح من مصلى زاوية (الرميلة) إلى بيت في ساحتها، فسلم علي وأنا مار من المصلى إلى بيت إنسان لا أعرفه، إلا أنه لاقاني بالأدب الصوفي المتناهي، فقد خلع نعاله، ثم قبل كتفي أو رأسي، فدخلت معه وأنا غير آبه كثيرًا به، لأن أمثاله يدخلون علي إذ ذاك في كل وقت، ثم ظللت أسائله، فإذا به يفصح لي عن نسبه، وأنه من المسعوديين الذين لهم دائمًا في فؤادي إجلال وإعظام، فأمرت بالعشاء المتيسر أن يقدم فأبى الضيف أن يقبل، وقد أعلن بكل صراحة أنه كان تعشى في مكان آخر قبل قدومه، ثم ملت إليه، وأنا أحسب أنني أكلم صبيًا مسعوديًا سوسيًا، حفظه حافز الصبا ففارق أهله ليندغم في الحواضر، كأنه عبد أبق، ولما جبلت عليه من النصيحة الصريحة التي تتحدر بغير مواربة ولا ملاطفة، قلت له: إلى أين أذن أنت متوجه؟ فإنه لا ينبغي لك أن تخرج هكذا تدور في البلاد، وتذر وراءك والديك، وشرف أسرتك، فأنت أنت، أتكون ككل الشذاذ السوسيين الذين تترامى بهم الطرقات، وتتلاعب بهم الغربة، فظللت أملي عليه بمثل هذا 154/13
155/13 الكلام، ومخاطبي أمامي ساكن لا يحير جوابًا، فحملت ذلك على ما كنت آلفه من السوسيين البدويين متى دهموا الحواضرن فتختبل نفسياتهم لا يدرون ما يقولون ولا ما يفعلون.