الصفحة 5878 من 9223

صدرت مرة من (إلغ) حين كنت أتلقى بالحمراء، وذلك في حدود 1341ه‍، فمررت من هشتوكة إلى قرية (المزار) بقبيلة (كسيمة) ، فلاقيته مقبلًا من (حاحة) إلى بلدته فرجع معي إلى (المزار) ؛ لأنه لم يبعد بعد من هناك، ففي ذلك اليوم افتتح تعرفي معه، فرأيت منه كل ما وصفته به من محاسن الأخلاق، والحذق والعلم الكثير، ثم ضرب الدهر بيننا إلى أن انطلقت من (إلغ) ، إثر ما كنت منفيًا إليه، فكنت بـ (تزنيت) في دار القاضي في اليوم الثاني من ربيع الثاني 1361ه‍، فولج علينا، وولده يقوده؛ لأنه عمي من سنة 1356ه‍، فانبعث من ذاكرتي ما كان فيها ذلك اليوم في (المزار) ، فمر لنا مجلس حافل معه، وهو حفظه الله يفيض بالفوائد النادرة، ومما سمعته منه في ذلك المجلس أنه ذكر أن المروءة ضبطت بفتح الميم وضمها في كتاب (درة الغواص) للحريري، فدل ذلك على أنه طالع كثيرًا، وكان يحاول أن يبحث إثر كل كلمة قيلت حتى باسطته قائلًا: البحث في الألفاظ يعلو عنه مثلك، وإنما هو من شيم المتفهمين المبتدئين، أو كما قلت له، ثم بعد أيام جالسته أيضًا في قريته بـ (أيكرار) فلا تسل عما مضى لنا هناك، فإنه كان ممتع المجالسة، حلو الحديث لطيف المفاكهة، حاضر النادرة، وقد تشذب بأخلاق الحواضر التي التحق بها منذ 1349ه‍، فأداه اتصاله بالناس هناك، وكثرة مخالطته ومخالقته إلى أن تعين في المجسد الكبير في (البيضاء) للتوقيت، وقد لاقاه أستاذ الفن: سيدي محمد العلمي الفاسي، فأثنى على إدراكاته في هذا الفن.

وقد حدثني القاضي الهاشم بن خضراء السلوى: أن المترجم هو الذي وقف مع العلمي على تحرير قبلة المسجد المحمدي يوم تأسيسه، فترك له العلمي تحرير القبلة، فلما أتم العمل وافقه العلمي على ما فعل، فصار يشهد له بالتمكن في الفن، ثم لم يزل هناك حتى فقد كريمتيه، وممن أخذ عنه هناك القاضي سيدي الرشيد بن المصلوت الهواري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت