فهرس الكتاب
ثم لما وضع في وسط جرحه هذا مرهم صوفى وجدبه من يد خاله ما وجده من الراحة والطمأنينة، استحال كله صوفيا بحتا، حتى إنني متى جالسته لا أحسبني جالست أحد طلبة إلغ، فلا أشعر إلا بنفس خافت وهدوء وسكون، وميل إلى الخمول والإنزواء، والإكتفاء بما تيسر، حتى إن من لم يعرفه، لا يظن إلا أنه أمي لأنه مبتعد عن كل أبهة، ولكن إذا فاتحه الجليس مذاكرة، وما دله فيها الحبل، فإنه يقع على سلاسة لفظ، وعذوبة معنى، بين ما يطرق آذانه من أحاديث ممتعة، ومذاكرات حلوة، وأبيات ينشدها بكل مناسبة.
وقد جالسته يوما فأرسلنا الحديث إطلاقا، فكنت أسمع إنشادات فجمعت 39/2
40/2 ما جرى على لسانه في ذلك المجلس فكان من ذلك البيتان المشهوران للبستي:
وما غربة الإنسان في شقة النوى *** ولكنها - والله - في عدم الشكل
فإني غريب بين بست وأهلها *** وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
أنشدني في صفر من السنة الماضية: 1356 هـ هذين البيتين، فوقعا مني موقعا كأنني لم أحفظهما، وأنا حديث العهد بمفارقة أشكالي من مراكش وبنزوحي إلى هذا المغترب الذي أقاسي فيه ما أقاسي، وإن كانت فيه أسرتي وأهلي، ولكن ما أصدق بعض الإلغيين:
رأيت هذا الدهر لا يرعوي *** عن غيه ولا لمثلي يرق
جاف فلا يرثى لذي أدب *** مثلي ولا يوليه ما يستحق
ليس يبالي بالأديب وإن *** أخنى عليه الدهر حتى صعق
دهر سواي أريحي ودهـ *** ـري ما در كز الطباع مئق (1)
ومما أنشدني أيضا يومئذ وهو بيت مشهور:
وأكرم نفسي أنني إن أهنتها *** وحقك لم تكرم على أحد بعدي
وأنشدني أيضا البيتين المعروفين:
أودعكم وأودعكم جناني *** وانثر عبرة مثل الجمان
ولو نعطي الخيار لما افترقنا *** ولكن لا خيار من الزمان
وأنشد أيضا وزعم أنه من قطعة للأستاذ سيدي محمد بن عبد الله الإلغي:
(1) 10ـ المئق: الذي لا يتحمل، ومن أمثالهم: أنا تئق وأنت مئق، فكيف نتفق أي أنا متسرع، وأنت لا تتحمل ؛ وتئق ومئق بفتح فكسر .