فهرس الكتاب
39/2 الممارسة للفنون، بل ذلك من المواهب التي لا يكون ليد الإنسان في قسمة حظوظها يد، فهذا سيدي موسى عانى وأخذ كثيرا ومارس، ولكنه في الحقيقة وسط في كل ذلك في عين العلوم التي يقول أنه تخرج فيها، ثم لما أعرض عما أخذه بعدم المباحثة والمدارسة والمثافنة والمراجعة، صار ذلك الرقم ينحدر شيئا فشيئا كما يتقلص الزئبق في ميزان الهواء من رقم المائة إلى أن يرسى على أربعين فوق الصفر، فمن لم يتعهد ما أخذه فهيهات أن يبقى كما كان، ما لم يكن من بعض الأفذاذ الذين كانت ذاكرتهم كحجر أصم لا يفلت كل ما ضمه من الماء:
إذا هجر العلم يوما هجر *** وزال ولم يبق منه أثر
كماء ترقرق فوق الصفا *** إذا انقطع الماء جف الحجر
أخلاقه:
كان حفظه الله في أول نشأته هادئا ساكن النامة، ثم لم يتأثر بالبيئة المدرسية التي كانت إذ ذاك مما لا يسر علماء الأخلاق، ثم لما أقبل إلى تأسيس الأسرة تلقى من الدهر تلك الصدمة التي كادت تأتي عليه، بعد أن آنس من ثغر الزمان ابتسامة خلابة، كان ظنها تبشيرا منه فإذا بها كبروز نيوب الليث:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة *** فلا تظنن أن الليث يبتسم
وكأنه لم يطرق آذانه قول التهامي:
جبلت على كدر وأنت تريدها *** صفوا من الأقذاء والأقذار
ومكلف الأيام ضد طباعها *** متطلب في الماء جذوة نار
عانى إذ ذاك من مرضه ما عانى، ثم لم يلبث بعد أن عوفي منه أن أجال يوما في داره عينيه، فتعلقت بمجلس قرينته التي دفنها أمس، فزفر زفرة كادت تذهب بشغاف قلبه:
كفى حزنا للهائم الصب أن يرى *** منازل من يهوى معطلة قفرا