الصفحة 5990 من 9223

ثم ما أنس لا أنس مجالستي معه الممتعة، فإنه بفكرته الوقادة النقادة يقبل ويرد، ويباحث ويفيد ويستفيد، وقد علته بهجة يومًا حين كنت أتلو عليه قصيدة وصفت فيها كيف تؤكل العصيدة بنهم، فأدرك مغزاها الأدبي بكل سرعة، وهي في مقدمة هذا الكتاب في (الجزء الأول) .

بعض منشداته وفوائده:

الأستاذ علي بن الطاهر من أكابر أدبائنا المطلعين الحريصين على مطالعة كل كتاب وقع إليهم، وقد رأيتُ شغفه بمجموعنا الأدبي مع أن المجموع ليس هناك إلا أنه جمع من بعض آثار السوسيين ما جمع مما لم يوجد في غيره، ولولوعه بالمطالعة يهتم باشتراء الكتب من أي فن، وخصوصًا المخطوطات التي لا يأبه بها سواه في هذه النواحي، كما أنه مولع بالمطبوعات [ 14 / 55 ] الحديثة سواء من الكتب القديمة، كمؤلفات الشاطبي والمحدثين والمؤرخين والفقهاء، ومن غيرها من كل ما وجده، وقليل من أقرانه اليوم من له هذه الفكرة التي لا يهتدي إليها إلا الموفقون، ثم إنه ليس بإمعة فكثيرًا ما يحكي وينتقد مما يدل على نباهته العظيمة، حتى قضيت منه العجب، وقد تأسف على أنه لم يكن يقيد عن أمثال سيدي محمد بن مبارك أحيصر المعدري، الذي وصفه بأنه كان واعية لأخبار معاصريه، كما أنه يحكي عن مثل الحاج بلخير البوشتي أمورًا، وقد كنت معه مرة حين ورد إلى (مراكش) في درس شيخنا أبي حفص الجراري المراكشي، فقام بعد جلوسه إلى درسه قليلًا، وقد وجه إليه انتقادات شتى في درسه مما يدل على أنه لا يغتر بشقائق دروس الحضريين، وهو مع كل هذا زام للسانه، مشتغل بخويصة نفسه، وإنَّما هو أعقل من أن يخدم، وأورع من أن يخدع، وكان يحكي كثيرًا عن محاسن مشيخته، فيذكر مثلًا إنصاف أبي فارس الأدوزي الذي أرسل ثلة من تلاميذه إلى الأستاذ الفلكي الغيغائي ليتعلموا منه، قائلًا لهم: تعلموا أولًا، ثم علمونا أنتم ذلك العلم، فيطيل في مثل هذا الخلق العالي، كما أنه قال مرة في معرض تبيين الخط، كان أبو فارس ينشد كثيرًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت