فهرس الكتاب
نتقافز على شعلة النار الموقدة ليلة عاشوراء، على عادة سفهاء بلادنا تلك الليلة، فقفزت لأتجاوز النار المؤججة، فإذا بي أصدمت بصبي مثلي، فسقطنا معًا في النار، فأصيبت رجلي إصابة شديدة، فلازمت الفراش فلم أبلَّ حتى انصرفت همتي إلى استتمام قراءتي، فإذ ذاك التحقت بمسجد قريتنا عند الأستاذ سيدي أحمد بن عبد الله المعدري، فأكببت غاية الإكباب والجد حتى لا أستريح لا في الخميس ولا في غيره، فكفتني تلك الختمة، ثم كنت في (سيدي مزال) حين شارط هناك سيدي مسعود عام 1309هـ مدرسًا للعلم، فكنت لا أزال في تتبع القرآن، ثم لما كنت في المدرسة كنت أحب الانزواء الذي هو طبيعتي إلى الآن، ولذلك صار الأساتذة يحترمونني ولا يكلفونني حتى أن أحدهم ليرى الطلبة في شيء ويخاصمهم ولم يخاصمني قط واحد منهم، حتى الأستاذ ابن مسعود، لم يأمرني بشيء من [ 14 / 69 ] الأوراد التي كان يتنقل بينها، حتى أتيح لي الشيخ الألغي، فأخذت عنه بإرادتي، فالحمد لله على ذلك، وقد قصدناه مرة، ونحن ثلاثة في الزاوية (المعدرية) فأستأذنا عليه، فأذن في الدخول فوجدنا الفقراء يطبخون عصيدة وحريرة يأتدمون بها على عادتهم في أكل العصيدة بالحريرة، فقدم لنا نحن عجوة -تمر بوسكري- وسمنا، ثم دعا لنا وودعنا.
هكذا حكى لي المترجم عن حياته يوم لاقيته في دار الفقيه سيدي عبد الله بن محمد العويني تاسع ذي القعدة عام 1363هـ، وقد أعجبني سمته وكلامه، ومما أنشدنيه الأبيات المشهورة بعد ما مررنا بقبور:
ما لي مررت على القبور محييا ... قبر الحبيب فلم يرد جوابي
أحبيب مالك لا تجيب مناديًا ... أمللت بعدي خلة الأصحاب
لو كان ينطق بالجواب لقال لي ... أكل التراب محاسني وشبابي
ولقال آه كيف لي بجوابكم ... وأنا رهين جنادل وتراب
أكل التراب محاسني فنسيتكم ... وحجبت عن أهلي وعن أصحابي
فعليكم مني السلام تقطعت ... عني وعنكم جملة الأسباب
وتمزقت تلك الجلود صحائفًا ... يا طالما لبست رفيع ثياب