الصفحة 6008 من 9223

كان المنتظر من مثله الذي كان له قدر كبير عند الناس أن يشمخ بأنفه، ويجر الأذيال تعجرفًا وتغطرسًا كالكثيرين ممن لفوا لفه، إلا أنه مصون من هذه الخلة (1) ، فكان متواضعًا أريحيًا لطيف المجالسة، دائم المؤانسة، كثير النوادر، ممتع الجليس، كان ضيق الصدر لا يجد إلى نفسه متسربًا، فقد عرفناه وجالسناه فوجدنا حاله هكذا لطفًا وعفة وخفة روح، فإن كانت المذاكرة العلمية شارك فيها بتحقيقاته وتدقيقاته لاسيما في علم النوازل الذي له فيه باع طويل عريض، أو في علم التركات الذي له فيه القدح العلمي، وكان في ميدانه المجلي المغبر في وجوه الأقران، وإن عنت الأحاديث الحلوة، والأخبار المضحكة، فهو جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، فما أنس لا أنس جلسة حضرتها معه في ثوى القاضي بـ (تيزنيت) [ 14 / 72 ] عام 1345هـ، فقد خب بعض من في المجلس، ووضع في كل ما يعن من مسائل علمية، ومحادثات طلية، فكان هو الآخذ بناصية الأجوبة ومجاذبة الحديث من لدن صلاة المغرب حتى استثقلت المضاجع بالنوام، وقد كان قبل تنظيم المحكمة الشرعية في (تيزنيت) قاضيًا كبيرًا يحكم في النوازل حوالي قريته (أكال ملولن) بـ (بعقيلة) ، فترد إليه الخصوم من كل صوب، وتتوجه نحوه الاستفتاءات من كل جهة، فكان يقضي بالتحكيم ويقضي في كل ما يسأل عنه، وقد حرر في ذلك نحو مجلدين كبيرين حرص ولده اليوم أن يخرجهما للوجود، ليقع الانتفاع بهما، وهذه مزية انفرد بها من بين أقرانه الذين لم يكونوا يبالون بالمحافظة على ما يحررونه في النوازل، فيذهب ذلك شذر مذر، وإن كانت تعج به سلات الرسوم هنا وهناك، وهذه الناحية من أخلاق المترجم لها تأثير كبير في تفوقه، فإن حرصه لم يكن مقتصرًا على النوازل فقط، بل تجاوز ذلك إلى الأدبيات والتاريخ، ووفيات الناس، فقد اطلعت له على كثير من المقيدات استفدت منها كثيرًا فيما أنا بصدده، ولا ريب أن هذا ما أنتجه إلا تواضعه، وحرصه

(1) الخلة -بفتح الْخَاء-: الخصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت