فهرس الكتاب
إنني لا أزال أتعجب من كثيرين مروا لدى الأستاذ سيدي المحفوظ، وربضوا بين يديه، ودرس معهم كل ما يجول فيه من الفنون، وهو من أكابر المتقنين البارعين في عصره، كما كان من أعظم المواظبين على التدريس، ثم هم مع ذلك لا يظهرون في المستوى الذي ينتظر من أمثالهم، فلا أكاد أستحضر الآن من النوابغ المتفوقين من أصحابه إلا أفرادًا يعدون على الأصابع، وأما الكثرة المطلقة، فإنهم لا يتجاوزون حد الوسط، ومن بين هؤلاء مترجمنا هذا، فإنه ليس بذي باع طويل، ولا له نظرات الفهمين الحاذقين اللبقين، وهذه الحال على عكس المتخرجين من (ألغ) ، فإن الغالب عليهم البراعة، ويكاد المتفوقون منهم يبلغون النصف في عديدهم، وخصوصًا في علم العربية التي يجعلونها هجيراهم صباح مساء، والأدب يكون عندهم بمثابة الأجرومية وهو أول ما يتذوقون.
في التصوف:
كان سيدي علي منخرطًا في سلك أصحاب الشيخ الألغي، وهو بعد في المدرسة، فصار يتحلى بحلى الفقراء، ويرى أن الشفوف لا يكون إلا بتصفية الباطن وجلاء القلب، وتهذيب النفس، فحمله ذلك مع عدم طول باعه فيما أخذه أن صار يتمسكن ويزهد في الظهور، وكيف لا يكن إلا كذلك وهو يسمع من إخوانه الفقراء الحكمة الصوفية المتداولة بينهم، الظهور كله نقمة، والخمول كله نعمة، أفينظر إذن ممن تكيف بذلك ثم لم يكن له فهم حافز، وجبلة دافعة أن يظهر في مظاهر العلماء المبرزين المنتفجين بما تعلموه؟
رجع إلى قريته (العركوب) في (أيغير ملولن) عام 1324هـ، فوجد دار أهله حافلة بالخيرات سائلة بالثاغية والراغية، وأبوه الذي وصفناه -وقد عرفنا كيف هو- لا يزال حيًّا، ولا يزال يصول ويجول،