فهرس الكتاب
فحرص على أن يتباعد عن أفعاله، وعلى أن لا يعاشره إلا بمقدار، خوف أن ينزلق في مزالقه، وهو ذلك الفقير الصوفي الذي يحاسب نفسه ويصاحب الفقراء إلى (ألغ) ، وما أدراك ما فقراء (ألغ) في محاسبة النفس، وربما ساح معهم، فيرغب عن كل مظهر غير مظهرهم، فلا يفتي ولا يقضي إلا لمامًا، بل تكاد فتاويه والنوازل القليلة التي ألمَّ بها تعد، فلم يكن يعرف إلا بمظاهر الفقراء، من سبحة كبيرة، وبزة تقتحمها العيون، ومعلوم أن العامة لا تأوي إلا لمن تزيا بناموس العلم الذي يعرفونه عادة من أنفة وترفع وجودة لبسة، وقد شارط حينًا في قريته غير أنه لا يهتم بالمشارطة؛ لكونه مكفي المؤنة بتمول أهله.
قبصة من أحواله الصوفية:
حدث أنه كان مرة في الزاوية (الألغية) مع طائفة من فقراء جهته، فمثلوا بين يدي شيخهم، فجال معهم في المذاكرة، حتى حلق الشيخ فيها، فهز القلوب، وأثار المشاعر، فلم يملك المترجم عينيه، ثم زاد به الحال حتى علا نشيجه، فلما انفلتوا من الزاوية قال له محدثي: عجبًا منك أيها الفقيه، كيف لم تملك نفسك بين يدي الشيخ تأدبًا، مع أن الفقير يجب عليه أن يكون راسخًا مكينًا لا تستفزه الرياح، ولا تهزه العواصف، وأن يكون كالجبال التي قال الله فيها: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) قال محدثي: فلم يزد على أن قال لي:
إذا لم تذق ما ذاقت الناس في الهوى ... فبالله يا خالي الحشا لا تعنفنا
فنحن إذا طبنا وطابت نفوسنا ... وخامرنا خمر الغرام تهتكنا