الصفحة 6037 من 9223

وحدثني آخر قال: بتنا عنده مرة ونحن في طائفة كبيرة من الفقراء وقد صدرنا عن زيارة الشيخ، فأفاض علينا من كل ما في إمكانه، فلم يترك لحمًا ولا سمنًا ولا عسلًا، وكان يحثنا على الإمعان في الأكل، وهو بنا فرح إلى الغاية، ثم قال: ما كنا نعد أنفسنا ممن يذوقون هذه السعادة لولا لطف الله بنا، ولقد رأيتني مع الطلبة في المدرسة نتبحبح غمار الغفلات، لا نبالي إلا بالمأكول والمشروب والملبوس، ثم لا همة لنا إلا أن نكون في الغد كبارًا متبوعين يشار إلينا، ونتصدر المحافل، وأما معرفة الله وذوق حلاوة الإيمان وجعل مشاهدة الله بين عيوننا في كل وقت فإن ذلك كله لم نكن نعلم أنه في الوجود، ولا كنا نأخذ فيه درسًا بين الدروس التي ندرسها، فوالله لولا أنتم ولولا بركة شيخنا لما كان أخوكم هذا يقعد معكم في مكانكم اليوم، ولا كان يأكل ما تأكلونه الآن من هذه [ 14 / 95 ] النعم التي بسطها الله علينا، بعد أن كانت لا يأكلها إلا نفاليس القبيلة، فلا يحق لي وأنا أدرك كل هذا إلا أن أعلن حمد الله من أعماق قلبي، وأن أتيقن أن الله ما زج بي بين أهل الله إلا وهو يريد أن يفتح لي الباب على مصراعيه إليه، إن كنت لذلك من الشاكرين، فكلوا يا سادتنا وأمعنوا، فكل ما تحت يدي فهو لكم، ثم لا مسامحة في واحدة فقط، وهي التفريط في حتى أرجع القهقرى، وأرتد على عقبي، وأنكص إلى الغفلات التي انتشلتمونا منها، ثم أنشد:

يا للرجال عليكم حملتي حسبت ... إن الضعيف على الأجواد محمول

قال محدثي: فملك علينا مشاعرنا، ولم نملك أنفسنا حتى اندفعنا في الذكر، فكانت ساعة طيبة انهمرت علينا فيها الرحمات، وهبت فيها النفحات.

هاتان حكايتان تلقيان لنا ضوءًا على نفسية هذا الصوفي الكبير، وهل تسبر الأغوار إلا بمثل ذلك؟

وفاته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت