الصفحة 6198 من 9223

ولذلك التحق السيد محمد التييوتي بـ (فاس) حيث قضى مدة لا بأس بها في الدرس والاجتهاد والاستقامة، ولا يمكن له إلا أن يكون كذلك، ولكن قصور النفقة به أضطره إلى الرجوع إلى (رودانة) ، فلزم بيتهم بـ (تاسوكت غزيفن) مدة، ثم انتقل إلى (القصبة) بانتقال أخيه السيد الحاج محمد إليها، فلازم مسجدها واشترى دارًا متصلة به، وما يزال على ذلك إلى الآن حفظه الله وقد تزوج وولد له، وكان حفظه الله صريحا لا يعرف المراوغة والكذب، ومما يؤثر عنه أنه لما جاء مولانا صاحب الجلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف إلى (رودانة) زائرًا ومشرفا لها، وأرادت السلطة المستعمرة الفرنسية أن تغالط جلالته بأنها ما تزال محافظة على تعليم القرآن، حشرت في صحن [ 14 / 209 ] مدرسة الجامع الكبير كثيرًا من الأطفال بعد أن فرشته بالحصر ورشت الجدران بالجير حتى أبيضت، ثم أتت بهذا السيد وتلاميذه من مسجد القصبة ليشرف على أولئك الأطفال ريثما يمر السلطان من هناك ويشاهدهم، فلما رآهم جلالته بتلك الكثرة أنكرت عينه أن يكون الأمر حقيقة إذ لم يعهد مثل ذلك من الفرنسيين، فسأل جلالته الأستاذ: هل هؤلاء التلاميذ دائمًا هنا؟ فقال له الأستاذ: لا يا مولاي، إنما جمعونا هنا ريثما يمر موكبكم ثم يفرقوننا، فأحقد ذلك عليه الاستعمار الذي لا يفارق كبار الموكب الملكي فرارًا من وقوع مثل هذه الحادثة -وهو واحد من تمويهات الاستعمار الكثيرة-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت