فهرس الكتاب
اسأل ذلك الشحرور، ما باله يتدفق خفة ونشاطا، لا يكاد يستقر على غصن حتى يطير عنه إلى غيره، فلا ينفك متنقلا خلال الأغصان كالبرق الخاطف في السرعة والنسيم العليل في اللطافة، يحاكي في تغريده وسقسقته ترنم النشوان الثمل في غمغمته وهيمنته، واسأل ذلك الأرنب الطروب اللعوب في ليالي الربيع المقمرة ما باله يقفز من تل إلى تل ويتجارى من ربوة إلى ربوة تلوح أذناه بين الأعشاب، كأنهما مجدًا، فإن بين حبائك العباب يقضم ورقة هنا، ويعبث بزهرة هناك، كأن الأوراق والأزهار بين يديه، خذاريف واكر بين يدي أطفال البشر.
إنه الربيع، الزمان اللطيف لطافة المهد؛ لتستأنف فيه الحياة الكونية دورتها على كوكبنا الأرضي؛ ليخرج ما في بطنه من أسرار، كما تخرج بطون الأمهات من كل شيء أجنتها، تلك الأسرار التي ولهت كثيرًا من مفكري الأدباء، فقصروا عليها من تفكيرهم وإنتاجهم ما لا يقل عما يبذله المفكرون من العلماء شتى النواحي الأخرى.
ويرحم الله أبا جعفر ابن الأبار إذ يقول:
ليس الربيع الطلق برد شبابه ... وافتر عن عتباه بعد عتابه
ملك الفصول حبا الثرى بثرائه ... متبرجا لوهاده وهضابه
فأراك بالأنوار وشي بروده ... وأراك بالأشجار خضر قبابه
أمسى يذهبها بشمس أصيله ... وغدا يفضضها بدمع سحابه
عقل العقول فما تكيف حسنه ... وثنى العيون جنائبا لجنابه
الكنز:
إن أنفس كنز يمكن أن يحصل عليه الإنسان في الدنيا هو ثقة الناس [ 14 / 235 ] به، ومن منحه الناس ثقتهم فقد منحوه أثمن وأحسن ما عندهم، ولكن الناس أبخل بثقتهم من أن يعطوها مجانًا وبدون مقابل.