فهرس الكتاب
ولقالت: عودوا أيها البشر إلى الاحتماء بشرائعكم وأخلاقكم وصونوا أجسامكم بسمو أرواحكم، واعلموا أن المغلوب من غالب الطبيعة، فقد كنت -وأنا الذرات المدوسة تحت أقدامكم- صخورا صلبة عاتية أتحدى الأمواج المتلاحقة آلاف السنين، فإذا زحفت إلى صاخبة مزمجرة كالرعد أو الصاعقة وجدتني أخذ عليها الطريق، فتتكسر عند أقدامي، فتذوب، ولكنها استطاعت بفضل مثابرتها -وهي المائعة اللينة- أن تفتتني في النهاية إلى هذه الذرات التي تدوسونها بأقدامكم وتثقلونها بجرائمكم وأجرامكم أأجسادكم أشد صلابة أم الصخور؟
ذلك ما كنا قد نسمعه لو تكلمت رمال الشاطئ
السنة الجديدة
(وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) فالتاريخ إذا من المصالح البشرية التي تبني عليها الحياة، فالعقود والمعاملات والأعمار والآماد كلها مرتكزة على السنين، وقد اعتاد الناس أن يجعلوا مبدأ تواريخهم من أهم الحوادث الكبرى التي تظهر في عصورهم ويشاهدونها بأعينهم وتثير إعجابهم واندهاشهم، وفي الوقت نفسه لا يكرهون أن يجدوا أقدم من تلك الأحداث؛ ليؤرخوا بها لو كان ينتظم لهم الحساب إلى ذلك الوقت لفقدان التقييد بالكتابة فيه.
فقد أرخ البشر بالطوفان، وإن كان قدماء الصينيين ينكرون وجوده، ولكنا لا يسعنا كمسلمين تصديق الصينيين وتكذيب القرآن، زيادة على أن خبر الطوفان ليس مما اختص به المسلمون وحدهم، فكأنه من قبيل التواتر عند الأمم، ولعمري إن الطوفان لحادثة مهمة تستحق أن تكون مبدأ للتاريخ. [ 14 / 237 ]