فهرس الكتاب
لكن الشيخ مع حاله هذه التي يلازمها مع المتجردين من أصحابه لم يكن يلاقي بها المترجم، فكان كثيرا ما يستدعيه من بين الفقراء، فيجالسه أو يماشيه في السياحة، ثم يترك له المجال فيتحدث كما يريد، فيقول للشيخ ما لا يقدر أحد من أصحابه أن يخاطبه به، فقد رأى مرة الشيخ أكثر من خصومة أصحابه على عادته، فقال له: إنك لا تحرث البصل ولا تشتريه؛ لأنه موجود عندك في كل وقت، ويعني بالبصل: العتاب والتثريب والتنديد الشديد، وكان من طبيعة الشيخ الإكئار في ذلك لأصحابه المتجردين، بسبب وبلا سبب، ولما قال ذلك للشيخ ما زاد الشيخ على أن تبسم في وجهه، وكذلك كان يسأل الشيخ عن أمور لم يكن من أصحابه من يسأله عن أمثالها، وقد سمعته يتحدث، فقال: طلبت من الشيخ يوما ما تكون لي به بركة في الذي يكون عندي من مواد المعاش، فقال: الشيخ إن البركة التي أظهرها الله لعباده، وهم فيها متساوون، لا يحتاجون فيها إلى تلاوة أسماء، ولا على تعليم، هي الاقتصاد، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عال من اقتصد) ، قال: ثم أعطاني شيحة غير كبيرة ولا صغيرة، والمعلوم أن حطب (ألغ) إنما هو الشيح، مع إناء فيه مقدار مد من الماء، فأمرني أن أجعل الإناء بما فيه من المد على الأثافي، وأوقد النار من الشيحة تحته، فعمدت إلى تلك الشيحة، فألقيتها كلها مرة أو مرتين في النار، فإذا بها قد [ 14 / 259 ] نفدت، ولكن الماء لا يزال باردا، ثم قال لي: أرأيت أن الماء لم يسخن، ثم أمرني أن أكفئ الماء، وأدع الإناء حتى يبرد، ثم أعطاني شيحة أخرى قدر الأولى، فأمرني أن أقطع منها قليلًا ثم قليلًا بقدر ما تتصل فيه النار وتطول، وقد وضعت قدر ذلك الماء، فإذا بالشيحة لم يتنقض حتى سخن الماء، فقال: أرأيت بركة الاقتصاد، وهذا مثال لكل ما يزاوله الإنسان من مواد معاشه، ولهذه الحكمة ذم الله الإسراف، ومدح المؤمنين الذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا وكان بين ذلك قواما.