هذا الشيخ هو الذي نفعني الله به، يعتني بي غاية الاعتناء، ويقبل عليّ بهمته وبوجهه عند القراءة، ويتفقدني في سائر أحوالي، ويحبني بعده ولا قبله أحد مثله، ويود لكثرة محبته فيّ لو أخذت ما عنده من العلوم مرة واحدة، بحيث لو أمكنه أن يصبه لي صبه واحدة لفعل يبالغ في النصيحة، ويحذر مما تلحقني فيه المعرة والفضيحة، ويتخولني بالموعظة في حال صغري، ويحضني على المذاكرة والتعليم في حالة كبري، وعنه أخذت في أول أمري، وقرأت عليه سائر التواليف، وصرفني فيها أنواع التصاريف، حتى رأى في قابلية لذلك، وفهما لبعض ما هنالك، فأمرني بسرد كل كتاب أقرأه عليه، ودام علي ذلك لا يفتر، حتى صلح لساني، وسهل عليّ السرد، وتسترت من اللحن بما يقيني من الحر والبرد، فوجهني إلى معدن السعادة، وشيخ أهل الإرادة، قطب الزمان، وكهف يأوي إليه أهل الإيمان والأمان، أبي الفيض، المنزه عن الغيض، السيد محمد بن أحمد الحضيكي رحمه الله ونوره الله، فلما وصلته وقصدته للأخذ عنه، جعل يكاتبه ويناقشه في أمري، ويستعطفه عليّ في حالتي سري وجهري وأنا لا علم لي إذ ذاك بمراده ولا لي عزم على مسايرته نحو مراده، لما أقاسيه من مرض العشق والهوى، الموجب للضنى والجوى، فلم أبرح أن جاء من عند الله البشير، وطلع في أفق السعادة نجم التسهيل والتيسير، فرأيت في عالم النوم أني في حلقة مع الشيخ الحضيكي وطلبته جالسين بالمسجد للقراءة عليه، وأنا قدامه في قبالة وجهه، فبينما هم كذلك إذ قال لي رحمه الله وهو ماد إلىَّ سبابته: انزع عند ثيابك واغتسل، فتثاقلت حياء من الانكشاف عند الطلبة، وهم مطرقون خافضون رءوسهم، وأنا في مقابلة وجه الشيخ من ورائهم بقليل، فأعاد عليَّ مقالته الأولي، فتجردت من ثيابي قدامه، وجعل الماء يفور وينبع من رأس سبابته التي نصبها ومدها إليّ، فشرعت أغتسل به، ولا يراني أحد من الطلبة إلا هو، وأخاف أن ينقطع الماء قبل إتمام غسلي، وأقول في نفسي ليته يدوم لي،