أسمع كثير من أصحاب الشيخ أن همة شيخهم وتربيته يحولان وجهاتهم دائما عن تطلب الأسرار . وعن التعرض لها . والاعتناء بالبحث عنها . ويحضهم على أن يجعلوا هممهم فيها سواها . ومن تعرض له شيئ مما يتعرض عادة من عالم الأرواح للفقراء . ينهاه عن الوقوف معه . وعن عد ذلك من المزايا التي يتحلى بها المريد . وقد سمعت أن فقيرا متجردا يسمى القاضي من قبيلة ) أمانوز ) كان وجه همته أياما حتى انكشف له الحجاب . فإذا به لا يرد بصره عن عورات الناس وبواطنهم حجاب فهو يشاهد ذلك عيانا فناله من ذلك عنت ومشقة . فشكا حاله للشيخ . فمال عليه بالعتاب المر . فقال له: إنك أنت الذي ألقيت نفسك في هذه الهوة حين جمعت همتك لنيل ذلك . أما أقول لكم دائما: لا تجعلوا هممكم إلا في العبودية المحضة . وأما هذه الكشوفات وراء الحجب , فإنما ذلك هتك لأسرار كانت المصلحة للعباد أن تبقى مستورة . ولو علم الله من ذلك خيرا عاجلا أو آجلا للناس . لما جعلم محجوبين عنها من أول وهلة . وها أنت ذا ) يا بهيمة ) 1 ) قد كلفت بطلب ذلك بهمتك . حتى هتك الله عرضك بانتهاك الحجب أمامك . وما ذا للمريد من الأسرار أن انكشفت له الحجب عن الغيوب . ثم بعد أن اشتكي على الشيخ أن قطع عنه ذلك في الحين بهمة الشيخ ) كما يقول الفقراء )
وأسمع كثيرا من الفقراء يقولون: إن من عظم تربية الشيخ التي تشهد له بالشفوف والتفوق بين شيوخ عصره . إن كل تلاميذه قلما يبتلون بمثل ذلك وقلما يهتبلون به إن تعرض لهم أثناء الطريق ولذلك لا تجد منهم مجذوبا واحدا مع أنهم آلآف . هذا ما أسمعه من أمثال سيدي مولود . قالو: ولذلك لا يكاد من يقع له مثل هذا يتصل بالشيخ . حتى ينقطع عنه بالكلية .
أقول: قد شاهدنا هذا بعينه فيما حكاه صاحب الترجمة عن نفسه كما تقدم . قال: وبعد ذلك كثير من الأيام . عاودني الاشتياق إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم . فشاهدته ليلة في المنام سبعين مرة .