الصفحة 663 من 9223

آه أيها الأخ الصديق آه، فبين عيني كان التراب أمس يهال عليك وأنا أتئر إليك ببصر حاد، غمرته الدموع المترقرقة بين الجفون، وأنت ممتد في تلك الحفرة الطويلة بلا حركة كنت أعتادها منك، ثم لم أزل واقفا وأنا أتبع شخصك بعيني وهو يغيب شيئا فشيئا، حتى غابت آخر لمعة بيضاء من كفنك، وقد سويت الأحجار، وأقبل العملة يجرفون التراب بالمساحي عليها

زفرت زفرة يعلم الله ما أحس به أثناءها من الألم الممض، تتآكل به جوانحي ويذوب به فؤادي، ثم قلت أأفترق أنا وأخي المؤنس الوحيد بإلغ افتراقا أبديا؟ أهكذا يولي وجهه لتلك الحياة الأخرى، وأبقى أنا في هذه الحياة كالحديدة المحماة بين السندان والمطرقة،؟ فمن ذا الذي يمسح عن صدري همومه؟ أو من ذا الذي يراعيني ويراعي غربتي هذه، ويحول ما استطاع بيني وبين أن أقضي بنكد هذا الإغتراب أسى وأسفا؟

قد كنت لي صديقا قبل أن تكون لي أخا، ومتى كانت الأخوة، أوكانت لها حلاوة، إذا تخطتها الصداقة بين الأخوين؟ تربينا معا، ونبتنا معا كما تنبت الشعبتان من وشيجة واحدة، فتصاحبنا دائما مصاحبة من لا تختلف أنظارهما، ولا يجد الخلاف إليهما من سبيل، فكنا في فجر حياتنا متصلين دائما في دارنا، وفي المكاتب التي نأخذ منها القرآن، ثم في بعض المدارس العلمية، ثم حاول الدهر أن يضرب ما بيننا ضرباته، ولكن لم يجد إلى قلوبنا ما وجده إلى جسومنا، فهذا ربع قرن منذ 1330 ه‍وقد توجهت إلى وجهة وتوجهت يا أخي إلى وجهة أخرى، ولكننا كلما التقينا امتزجنا امتزاج الماء بالراح، والأرواح بالأشباح فتفضي إلي بذات نفسك، وأفضي إليك بما في دخيلتي، فكنا نتكاشف دائما بيننا ونحن كبار، كما كنا نتناجى ونحن صبية أغرار، فما تكاد خطرة تلم بنفوسنا، حتى تتلقفها ألسنتنا، فتصل من قلب أحدنا إلى قلب آخر، وكل من يرانا لا يحسب إلا أننا معا على غرار واحد نشاطا ومرحا وأريحية 92/2

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت