الصفحة 664 من 9223

كنت تزورني يا أخي بالحمراء، فكنت تغمرني بنكاتك، وأحاديثك الحلوة. وأضحوكاتك المعسولة، فكنت تستولي على رسني، فتديرني كيف تشاء، ثم لا تفارقني حتى أحس بأنني أفارق شعبة من شعب قلبي، ثم لا أسترجعها إلا يوم ترجعك لي أيضًا الأيام، ثم لما قلب لي الدهرظهر المجن، وبدا له أن يرجلني بعد أن أركبني تحملت معي من كارثتي ما الله أعلم به، ولكنك مع ذلك حريص على أن تظهر لي باستهانة ما وقع، لعلك تجد بذلك منفذا لتسليتي، ومدخلا تدخل إليَّ منه بأنس وبهجة، فصرت تثر علي دائما بأحاديثك، وبوقائعك وبصفحات حياتك، ثرة الماء الثجاج، من منبع عين تتدفق من سفح جبل عال

آه ما أنس لا أنس تلك العشايا التي يرى الناس في إلغ شخصينا متلازين في مهبطنا إلى البستان، أو مطلعنا منه، وأنا أتلقى منك يا أخي دروسا قيمة عن الهيأة الإجتماعية الإلغية، فتنير لي طريقا لهجت بالسير فيها منذ وصلت إلى إلغ، ثم رأيتني أريح بالقلم ما كنت تظل الغداة علي بلسانك في ذكره، فكنت ترى ذلك، فلا يعجبك نسقه، لأنه أخلاط أمشاج فقلت لي في عشية في أول ربيع الأول، إن كنت لابد كاتبا فضع لنا تاريخا إلغيا منظما يكون حظنا من علمك، الذي نرى كل المغرب يبكي عليك اليوم بسببه، فإننا أولى من ينتفع من ورائك بعلمك، إن كان وراء علمك انتفاع، لعله يكون لإلغ كتاب خاص كالكتاب المعروف عن ( تيمكيدشت )

كنت يا أخي بتلك القولة سببا لهذا التاريخ الذي انتفع به الإلغيون حقا، وسيتضاعف - إن شاء الله - انتفاعهم به بتطاول الأزمنة، وتقلب الأعصار.

يوم يدرك قراء ( المعسول ) أن ما فيه يكاد ينمحي من الوجود لولاه.

آه عليك يا أخي، من ذا الذي يحترمني بعدك ذلك الإحترام الكبير؟ فيقدمني إلى كل شرف، ويتجافى لي عن صدر كل مجلس، ويعطر ذكري دائما بثنائه العطر، فقد عدمتك اليوم، وعدمت من كان يقوم لي بما كنت تقوم لي به، ومتى عدم الإنسان من يعرف له قدرا - وإن لم يكن له قدر - فإنه يكاد يعدم الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت