الصفحة 665 من 9223

رحمك الله يارفيق شبيبتي، ومؤنس غربتي، ففي هذا اليوم من هذا الشهر حقا ابتدأت الغربة الإلغية الحقيقية، لا من أربعة أشهر كما كنت أتوهم قبل مغترا، مع أنني وجدت منك من يجبر الصدع على قدر جهده، ويفثأ عني بموانسته الأحزان، ويدرأ عني انقضاض الرزايا بوساوسها المرمضة ويفتح لي أبواب جيبه، ومغاليق بشاشته، بعد أن أصبحت في إلغ نائيا، صفر الكف، منفردا في جو مكفهر، تساورني فيه من الهموم والأشجان رقش في أنيابها السم الناقع ((1) ). 93/2

اليوم تركتني وحيدا، لا صديق إليه مشتكى حزني، ولا أنيس إليه لو كنت أجذل في إلغ منتهى جذلي، فها أنا ذا من هذه الليلة أتلقى من صدمات الغربة، ومن شآبيب الهموم ما يرخي على عزاليه، ويصب علي شآبيبه، فأتململ فوق فراشي حتى أتمنى اليوم أن لوتيسر لي التوسد على الجانب الأيمن، كما تتوسد في حفرتك تلك أمس.

ها أنت ذا يا أخي تستريح من وعثاء الحياة الأولى، وتعرض عما كنت أيضًا تشتكي منه دائما بدورك، فقد انتقلت إلى جوار رب كريم، فغادرت المختار المسكين الغريب، المرزوء في نكبات وأنكاد وغربة وضيق يترنح ترنح المبطوح بين أيدي الجلاوزة الأشداء، وهم يختلفون عليه بالأسواط، أربعة أربعة، فليت شعري متى يفرج الله عن أخيك مماهو فيه، فيراجع نعماء الحياة بين أحباب هم مني بمنزلة السويداء من القلب، في بلد عهدت منه ما عهدت، أو أنسى الحمراء؟ إني إذن لبليد الطبع، جامد العاطفة:

بلد صحبت به الشبيبة والصبا ***ولبست ثوب العمر وهوجديد

فإذا تمثل في الضمير رأيته *** وعليه أغصان الشباب تميد

متقلبه إبان التعلم:

(1) ـ قال النابغة الذبياني:

فبت كأني ساورتني ضئيلة *** من الرقش في أنيابها السم ناقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت