فهرس الكتاب
قال: ثم نزلت إثر هذا مع الزكريين إلى التيييوتي ليشكروه على مناصرته لهم وليجدوا ما بينهم، فلم أشعر حتى لاقيت هناك الباشا الحاج حماد بن حيدة وكنت لا أعرفه إلا سماعا، وكنت أحسبه عظيما في نفسه، كما هو عظيم في سمعته التي ورثها عن أبيه، وكنت أظنه عاقلا رزينا يزن القولة إذا أراد أن يتكلم بها، فإذا به يراع خفيف كريشة في مهب الرياح، لا يقر قرارها، قدمني إليه التيييوتي فقال: إنني كنت أسمع بهؤلاء وبدارهم وبزاويتهم، ثم ما كان إلا أن دار بيني وبينه مفتتح الحديث، حتى عرفت خفة الرجل، وأنه كجناح بعوضة، يسهل على جليسه أن يديره كيف يشاء، فمددت له شبكة من الثناء عليه، ومن الشهرة التي يتمتع بها في الجنوب كله، ثم قلت له: ما أسس الهدنه التي تأسست منذ أيام إلا هيبتك التي ارتعدت منها الفرائص، حين سمعوا بحضورك بنفسك إلى المعركة، فما كاد يسمع ذلك حتى اهتز اهتزاز القصبة اللينة الطويلة بين مختلف الرياح، فقال وكله بشر وحبور وفرح زائد، حتى كأنه يهوي إلى الطيران من كثرة حركته، لما استخفه من الفرية التي أردت أن أملك بها قياده، هل تقدر أن تقول هذا أمام المراقب بتارودانت؟ فقلت له نعم، ولكني أتكلم بلفظة نعم كأنما أجيل حول لساني جمرة محرقة، لأني وقعت في أحبولة كنت نصبتها له إذا به يريد أن أكون أنا هو المحبول بها لينتفع بي، وبمقالتي هناك، ولكنني وجدتني في وسط حفرة يصعب علي أن أتملص منها إلا أن يريد الله، فأقترح على جميع الوفد الزكري أن يصحبه في الحين إلى تارودانت، ولا بد، فنزلنا من مجلسنا لنذهب معه، فحاذاني التيييوتي ونحن 104/2