ومنها أن وفدا أتوه من رأس الوادي من أهل أنسا مع المقدم أبي يحيى وهم خلق كثير يزيدون على ألف في عام جدب وقحط قليل الأمطار وقد غارت بويرة الزاوية في فم تاتلت وإنما يسقى أهلها من بوتكديمين من إيزناكن وفيها إذ ذاك عين فاهتم جيران الزاوية بما يكفي هذا الوفد من الماء فاتفقوا على حمل الماء بالأسقية من إيليغ والركن فبلغ ذلك الشيخ فقال لهم إن الذي أمر ببناء الزاوية ضامن لها كل ما تتوقف عليه ثم هبت ريح فجاءت سحابة بمطر غزير فسال الوادي لحينه فلم يصل الوفد حتى وجد الماء أمامه فأمر الشيخ خادمه محمد بن مسعود الكربائي بتهيئة أربعين قصعا لهم فإذا به زاد سبعا احتياطيا فاكتفى الناس بالأربعين فعاتب الشيخ خادمه على ما زاده فقال فعلت ذلك احتياطا فقال له لابد أن تأكل وحدك السبع كلها فقال له سمعا وطاعة اليد يدي والبطن بطنك فأتى عليها كلها ولم يجد ثقلا، ولبعضهم: [16/63]
لي سادة من حبهم *** أقدامهم فوق الجباه
إن لم أكن منهم فلي *** من حبهم عز وجاه.
قال الأبوصيري:
وإذا سخر الإله أناسا *** لسعيد فإنهم سعداء
وقد وقع لمحمد بن مسعود الكرباني أنه صاحب أنسانا لم يراع بن مسعود معه الأدب ففارقه ذلك الإنسان فعاتب الشيخ محمد بن مسعود على أنه لم يراغبه في حكاية هذا لبها:
ثم أنشد المؤلف:
إذا أعطشك أكف اللئا *** م كفتك القناعة شبعا وريا.
فكن رجلا في الثرى *** وهامة همته في الثريا
وأنشد أيضا:
رأيت القناعة رأس الغنى *** فصرت بأذيالها أمتسك
كساني زماني بها حلة *** تمر الليالي ولا تنتهك.
فصرت غنيا بلا درهم *** آتيه على الناس تيه الملك
وأنشد أيضا:
تقنع بما يكفيك واستعمل الغني *** فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي
وليس الغنى من كثرة المال *** إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفس.
وأنشد أيضا:
لا تحقرن فقيرا إن مررت به *** فقد يكون له حظ ومقدار.