فهرس الكتاب
108/2 أراد الله به أن يجتبيه وأن يختاره لما عنده، ويفضل عليه من بركة من درج بين ظهرانيهم من أهل التقوى، مال به أثناء هذا المرض المذكور، فأقبل على ربه بالكلية، وكره بطبعه كل ما سوى ذلك، ففتح عليه فتحا غريبا في ذوق التوحيد قل مايؤتى نظيره إلا الأخصاء الأصفياء
صفاء عقيدته
جالسته يوما قبل وفاته ونحن نشرب الأتاي في يوم شديد الحرارة في دهليز مدخل داره، وقد نشط واسترد بعض قوة من صحته، فتناول كناشا فيه قصائد مختلفة من القصائد التي ينشدها المسمعون من الفقراء في حلقات أذكارهم، وفيها بين قصائد نبوية غلو شديد في الإستغاثة، مما لا يقبله الموحدون، فالتفت إلي وقال عجبا، أوَ يجوز طلب أي شيء في الغيب من غير الله أيا كان؟ فقلت له وقصدي أن أسبر غوره من هذه الناحية، وماذا يتراءى لك أنت في ذلك؟ فقال إن الذي يتراءى لي إن مثل ذلك لا يجوز البتة، وهل يملك غير الله ما يطلبه أجنبي منه؟ وهب المستغاث به هو النبي صلى الله عليه وسلم، فهو لا يتعدى مقام العبودية، ولا أخال أن الصحابة كانوا يطلبون منه ما يطلبه أمثال من يقولون هذه القصائد، فالذي يظهر لي أن العبودية لله معناها الإخلاص إليه في الطلب حتى من غيره إلا إذا كان هناك ما يجعله الله في يد العبد من الأمور الدنيوية والإعانة فيها، أو الإرشاد والتعليم في الأمور الأخرى، وإما أن يتطلب من العبد أمر غيبي لا يملكه ولا يملك لنفسه أن يتناوله متى شاء فبعيد أن يجوز ولكن أنا إنما أقول بحسب ما أدرك، فماذا تقول أنت يا عالمنا؟ يقول ذلك وهو يضحك، فقلت له ( الله أكبر ) الآن علمت أن الله أرادك لخير حيث أراك من إفراد الله وحده بالتصريف المطلق، ومن تخصيصه بقضاء الحاجات ما ضل عنه كثير ممن وقعوا في الإفراط والغلو في جانب الأنبياء والأولياء، حتى أطروهم من حيث لا يشعرون على حين أنهم يظنون أنهم لهم بذلك معظمون، ثم فاتحته في شرح ما عندي من ذلك، وجرى على لساني الفرق بين التوسل