الصفحة 736 من 9223

142/2 إذا أرعف الفلم بالنقس ((1) ) رأيت كيف ينتظم الجوهر في الطرس، فما ابن بسام إذا سجع، وما الفتح إذا ملأ أكواب النثر وأترع، الناس كلهم له من الخدم، منذ بايعه على الولاء القلم، الفقيه اللوذعي، والفصيح الذي إذا تكلم سحبان أمام كلامه فهو كله حصر وعي، علامة العلماء، وقدوة الشعراء، من إذا جال في النظام، فضح أبا تمام، وإذا جال في الحكم والمعاني بالشفتين، استحيا من الوقوف أمامه ابن الحسين، وقال ما لي بمباراة هذا من يدين، وإن لمح بيانه في القريض البحتري، نفض يديه من انتحال الشعر، وقال إنني من هذا الفن بري.

أما بعد، فيا سيدي إنني فارقتكم كالمفارقة التي قال فيها ابن عنين إذ خرج من دمشق باكي العينين

فارقتها لا عن رضا وهجرتها *** لا عن قلى ورحلت لا متخيرا

وبودي أن لا أفارق أيها الأدباء مجالسكم الحافلة، لكي أستفيد دائما من كل نوع من العلوم مسائله، ولكنني لست بمختار، وإن سميت بالمختار، فما أقصر تلك الأيام التي قضيتها عندكم نتهادى بالأدب، ونترشف الفوائد، فكأنما نترشف ابنة العنب، فها أنا ذا وحدي الآن هنا في هذه المدرسة اليوسفية التي لا يملأها إلا طلبة من الأعراب، وليس منهم من يعرف ولو كلمة من الآداب، فقد كادت فكرتي بعدكم تصدى، حين لم يجد لساني من يذاكره في الأدب سواء قصد تهامة أو نجدا، وإن كانوا كلهم أفاضل، محصلين للعلوم الأخرى حتى برزوا في المحافل

أصبحت فيمن لهم دين بلا أدب *** ومن لهم أدب عار من الدين

أصبحت فيهم غريب الشكل منفردا *** كبيت حسان في ديوان سحنون

وقد خطر لي أن أرجع إلى سوس تماما، وأقول لهؤلاء الأعراب سلاما سلاما فادع الله لي يا أخي بالتيسير، فالله هو الذي يسر كل عسير، وسلم على كل من معكم، كل واحد باسمه ورسمه، وقل له ذلك عني، وحيه مواجهة وسمه.

(1) النقس بكسر فسكون: المداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت