فهرس الكتاب
عرفنا البحتري هادئًا متهيبًا، تخرسه القوة، وتفزعه مناظر العنف، محتالًا حذرًا، لا يخطو خطوة إلا إذا عرف أين يضع قدمه، ولا يتكلم إلا بعد أن يحسب لكلماته ألف حساب، ومن كان ثائرًا متنمرًا يهاجم الأقوياء ويهددهم بالرحيل عنهم، ليتخذ لنفسه دونهم خط الدفاع.
170/17واشترائي العراق خطة غبن *** بعد بيعي الشام بيعة وكس
وإذا ما جفيت كنت جريئًا *** أن أرى غير مصبح حيث أمسي
البحتري عربي صميم، يعتز بنسبه، ويفاخر خصومه بقومه، وقد تركت فيه البداوة شيئًا من الأنفة، وإذا كان ذلك قليلًا فهو يكفي لكفه - على الاقل - عن تنقص العرب واحتقارهم، فلماذا يحمل عليهم هذه الحملة السافرة؟
حلل لم تكن كأطلال سعدي *** في قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة مني *** لم تطفها مسعاة عنس وعبس
فن البحتري مبني على عناصر، لولاها لفقد كل قيمة، تلك العناصر، هي: الموسيقي الراقصة، والصياغة الرائعة، والتجسيم في التصوير، ونفخ الروح بكلمة في بيت (1) وبيت في قصيدة... ولكننا نلاحظ في هذه القصيدة -زيادة على ذلك- عناصر أخرى أكثر أهمية، وأرفع قمية، وهي تفكير عميق، وذكريات حزينة، تنم عن إنسانية رفيعة، ووفاء شريف، وهتاف قوي بالشكوى، وتأملات غارقة في ما وراء الحياة، وحكم مستقاة من واقع الحياة، والتعمق في تاريخ الفرس وعظمتهم، وتصوير دقيق للإيوان رمز خلودهم، وعنوان مجدهم، بروز شخصية الشاعر والتعرف على حياته، ثم تأدية كل ذلك بأسلوب متين فيه كثير من قوة واندفاع، وترسل واستقصاء.
إن الفاحص لهذه القصيدة ليحار في التوفيق بينها وبين فن البحتري، بين البحتري العابث المرح، وبين البحتري الجاد الوقور، القصيدة رائعة غريبة، وأغرب منها أن يكون قائلها هو البحتري المعروف.
(1) سميت البحتري في البحث السابق بعيسى الشعراء، لأنه ينفخ الروح في بيت فارغ بارد بكلمة واحدة...