الصفحة 7468 من 9223

من قالها؟ (1)

خالجني شك في بحترية هذه القصيدة منذ عهد، رغم إجماع الرواة والنقاد والمعارضين لها، على أنها للبحتري أبي عبادة، وتجمعت لي قرائن نافية، كان حظ ابن الرومي فيها كبيرًا، غير أنه اعترضتني، قرائن أخرى مثبتة أرجح من النافية، فعدلت عن كل بحث في هذا الباب، وأيا ما كان فالذي لا تراجع فيه هو أن البحتري، تقمص شخصية أخرى لها خصائص 170/17

171/17فريدة، ومزايا خاصة، استحال بها بحتريًا آخر جديرًا بهذا الإبداع، وبأن يتحف الأدب العربي بمادة من مواد غناه، وبعنصر من عناصر خلوده؟

قد يعيش إنصاف العباقرة في حياتهم لحظات تعتريهم فيها غيبوبة يلهمون فيها روائع الفكر، وبدائع البيان، ثم تضفي هذه الروائع الملهمة على إنتاجهم هالة من الروعة الجلال، تسبب غموضًا وارتباكًا في حقيقة أمرهم، وبعد أخذ ورد، وفي جو خانق بالضوضاء والنقاش، آخذون بحق أو بغير حق - مقاعدهم في صف العباقرة الخالدين، وهذه اللحظات هي التي تلعب دورها في حظو الملهمين في العبقرية، وبكثرتها أو قلتها في حياتهم ترتفع مراتبهم أو تتوسط، وأما الذي يخلق هذه اللحظات فهي المآسي، شقاء في الحياة، أو فشل في المطامح، أو نكبة في النفس، أو فقدان عزيز... فلو ربح المتنبي مطامحه لخسر الشعر العربي وثبته وقوته، ولو سعد ابن الرومي في حياته لشقي الأدب العربي في فكره وخياله، ولو أنصف المعري ومنح البصر لحرمت اللغة والأدب من ثروة وثورة، فشقاء هؤلاء وأمثالهم سعادة، وفشلهم في الحياة نجاح، وخير للأدب أن يعذبوا ليصيحوا، وأن يضغط عليهم لينفجروا.

(1) علق أديب مطلع على هذا التشكك بقوله: لست وحدك منفردًا بهذا التشكك، ولكنه لم يذكر ناقد سبقني لهذا، ولعله يعني نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت